فصل: بيان فوائد الجوع وآفات الشبع

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إحياء علوم الدين **


بيان شواهد النقل من أرباب البصائر وشواهد الشرع

على أن الطريق في معالجة أمراض القلب ترك الشهوات وأن مادة أمراضها هي اتباع الشهوات

اعلم أن ما ذكرناه إن تأملته بعين الاعتبار انفتحت بصيرتك وانكشف لك علل القلوب وأمراضها وأدويتها بنور العلم واليقين فإن عجزت عن ذلك فلا ينبغي أن يفوتك التصديق والإيمان على سبيل التلقي والتقليد لمن يستحق التقليد فإن للإيمان درجة كما أن للعلم درجة والعلم يحصل بعد الإيمان وهو وراءه قال الله تعالى ‏"‏ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ‏"‏ فمن صدق بأن مخالفة الشهوات هي الطريق إلى الله عز وجل ولم يطلع على سببه وسره فهو من الذين آمنوا وإذا اطلع على ما ذكرناه من أعوان الشهوات فهو من الذين أوتوا العلم وكلا وعد الله الحسنى‏.‏

والذي يقتضي الإيمان بهذا الأمر في القرآن والسنة وأقاويل العلماء أكثر من أن يحصر‏.‏

قال الله تعالى ‏"‏ ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ‏"‏ وقال تعالى ‏"‏ أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ‏"‏ قيل نزع منها محبة الشهوات‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ المؤمن بين خمس شدائد‏:‏ مؤمن يحسده ومنافق يبغضه وكافر يقاتله وشيطان يضله ونفس تنازعه فبين أن النفس عدو منازع يجب عليه مجاهدته‏.‏

ويروى أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يا داود حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات فإن القلوب المتعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة‏.‏

وقال عيسى عليه السلام‏:‏ طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعود غائب لم يره وقال نبينا صلى الله عليه وسلم لقوم قدموا من الجهاد ‏"‏ مرحباً بكم قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ‏"‏ قيل يا رسول الله ومال الجهاد الأكبر قال ‏"‏ جهاد النفس وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ كف أذاك عن نفسك ولا تتابع هواها في معصية الله تعالى إذن تخاصمك يوم فليعن بعضك بعضاً إلا أن يغفر الله تعالى ويستر وقل سفيان الثوري‏:‏ ما عالجت شيئاً أشد علي من نفسي مرة لي ومرة علي وكان أبو العباس الموصلي يقول لنفسه‏:‏ يا نفس لا في الدنيا مع أبناء الملوك تتنعمين ولا في طلب الآخر مع العباد تجتهدين كأني بك بين الجنة والنار تحبسين يا نفس ألا تستحين‏!‏ وقال الحسن‏:‏ ما الدابة الجموح بأحوج إلى اللجام الشديد من نفسك‏.‏

وقال يحيى بن معاذ الرازي‏:‏ جاهد نفسك بأسياف الرياضة‏.‏

والرياضة على أربعة أوجه‏:‏ القوت من الطعام والغمض من المنام والحاجة من الكلام وحمل الأذى من جميع الأنام فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات ومن قلة المنام صفو الإرادات ومن قلة الكلام السلامة من الآفات ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات وليس على العبد شيء أشد من الحلم عند الجفاء والصبر على الأذى وإذا تحركت من النفس إرادة الشهوات والآثام وهاجت منها حلاوة فضول الكلام جردت سيوف قلة الطعام من غمد التهجد وقلة المنام وضربتها بأيدي الخمول وقلة الكلام حتى تنقطع عن الظلم والانتقام فتامن من بواثقها من بين سائر الأنام وتصفيها من ظلمة شهواتها فتنجو من غوائل آفاتها فتصير عند ذلك نظيفة ونورية خفيفة روحانية فتجول في ميدان الخيرات وتسير في مسالك الطاعات كالفرس الفارة في الميدان وكالملك المتنزه في البستان‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ أعداء الإنسان ثلاثة‏:‏ دنياه وشيطانه ونفسه فاحترس من الدنيا بالزهد فيها ومن الشيطان بمخالفته ومن النفس بترك الشهوات‏.‏

قال بعض الحكماء‏:‏ من استولت عليه النفس صار أسيراً في حب شهواتها محصوراً في سجن هواها مقهوراً مغلولاً زمامه في يدها تجره حيث ساءت فتمنع قلبه من الفوائد‏.‏

وقال جعفر بن حميد‏:‏ أجمعت العلماء والحكماء على أن النعيم لا يدرك إلا بترك النعيم‏.‏

وقال أبو يحيى الوراق‏:‏ من أرضى الجوارح بالشهوات فقد غرس في قلبه شجر الندامات‏.‏

وقال وهيب بن الورد‏:‏ ما زاد على الخبز فهو شهوة‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ من أحب شهوات الدنيا فليتهيأ للذل‏.‏

ويروى أن امرأة العزيز قالت ليوسف عليه السلام - بعد أن أن ملك خزائن الأرض وقعدت له على رابية الطريق في يوم موكبه وكان يركب في زهاء اثني عشر ألفاً من عظماء مملكته - سبحان من جعل الملوك عبيداً بالمعصية وجعل العبيد ملوكاً بطاعتهم له‏.‏

إن الحرص والشهوة صيرا الملوك عبيداً وذلك جزاء المفسدين وإن الصبر والتقوى صيرا العبيد ملوكاً‏.‏

فقال يوسف - كما أخبر الله تعالى عنه ‏"‏ إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ‏"‏‏.‏

وقال الجنيد‏:‏ أرقت ليلة فقمت إلى وردي فلم أجد الحلاوة التي كنت أجدها فأردت أن أنام فلم أقدر فجلست فلم أطق الجلوس فخرجت فإذا رجل ملتف في عباءة مطروح على الطريق فلما أحس بي قال‏:‏ يا أبا القاسم إلى الساعة فقلت‏:‏ يا سيدي من غير موعد قال‏:‏ بلى سألت الله عز وجل أن يحرك إلى قلبك فقلت‏:‏ قد فعل فما حاجتك قال‏:‏ فمتى يصير داء النفس دواءها فقلت‏:‏ إذا خالفت النفس هواها فأقبل على نفسه فقال‏:‏ اسمعي فقد أجبتك بهذا سبع مرات فأبيت أن تسمعيه إلا من الجنيد ها قد سمعتيه ثم انصرف وما عرفته وقال يزيد الرقائي‏:‏ إليكم عني الماء البارد في الدنيا لعلي لا أحرمه في الآخرة‏.‏

وقال رجل لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى‏:‏ متى أتكلم قال‏:‏ إذا اشتهيت الصمت قال‏:‏ متى أصمت قال‏:‏ إذا اشتهيت الكلام‏.‏

وقال علي رضي الله عنه‏:‏ من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات في الدنيا‏.‏

وكان مالك بن دينار يطوف فإذا رأى الشيء يشتهيه قال لنفسه‏:‏ اصبري فوالله ما أمنعك إلا من كرامتك علي‏.‏

فإذن قد اتفق العلماء والحكماء على أن لا طريق إلى سعادة الآخرة إلا بنهي النفس عن الهوى ومخالفة الشهوات فالإيمان بهذا واجب‏.‏

وأما علم تفصيل ما يترك من الشهوات وما لا يترك فلا يدرك إلا بما قدمناه‏.‏

وحاصل الرياضة وسرها أن لا تتمتع النفس بشيء مما لا يوجد في القبر إلا بقدر الضرورة فيكون مقتصراً من الأكل والنكاح واللباس والمسكن وكل ما هو مضطر إليه على قدر الحاجة والضرورة فإنه لم تمتع بشيء منه أنس به وألفه فإذا مات تمنى الرجوع إلى الدنيا بسببه ولا يتمنى الرجوع إلى الدنيا إلا من لا حظ له في الآخرة بحال ولا خلاص منه إلا بأن يكون القلب مشغولاً بمعرفة الله وحبه والتفكير فيه والانقطاع إليه ولا قوة على ذلك إلا بالله ويقتصر من الدنيا على ما يدفع عوائق الذكر والفكر فقط‏.‏

فمن لم يقدر على حقيقة ذلك فليقرب منه والناس فيه أربعة‏:‏ رجل مستغرق قلبه بذكر الله فلا يلتفت إلى الدنيا إلا في ضرورات المعيشة فهو من الصديقين‏.‏

ولا ينتهي إلى هذه الرتبة إلا بالرياضة الطويلة والصبر عن الشهوات مدة مديدة‏.‏

الثاني‏:‏ رجل استغرقت الدنيا قلبه ولم يبق الله تعالى ذكر في قلبه إلا من حيث حديث النفس حيث يذكره باللسان لا بالقلب فهذا من الهالكين‏.‏

والثالث‏:‏ رجل اشتغل بالدنيا والدين ولكن الغالب على قلبه هو الدين فهذا لا بد له من ورود النار إلا أنه ينجو منها سريعاً بقدر غلبة ذكر الله تعالى على قلبه‏.‏

والرابع‏:‏ رجل اشتغل بهما جميعاً لكن الدنيا أغلب على قلبه فهذا يطول مقامه في النار لكن يخرج منها لا محال لقوة ذكر الله تعالى في قلبه وتمكنه من صميم فؤاده وإن كان ذكر الدنيا أغلب على قلبه‏.‏

اللهم إنا نعوذ بك من خزيك فإنك أنت المعاذ‏.‏

وربما يقول القائل إن التنعم بالمباح مباح فكيف يكون التنعم سبب البعد من الله عز وجل وهذا خيال ضعيف بل حب الدنيا رأس كل خطيئة وسبب إحباط كل حسنة‏.‏

والمباح الخارج عن قدر الحاجة أيضاً من الدنيا وهو سبب البعد - وسيأتي ذلك في كتاب ذم الدنيا - وقد قال إبراهيم الخواص كنت مرة في جبل اللكام فرأيت رماناً فاشتهيته فأخذت منه واحدة فشققتها فوجدتها حامضة فمضيت وتركتها فرأيت رجلاً مطروحاً وقد اجتمعت عليه الزنابير فقلت‏:‏ السلام عليك فقال‏:‏ وعليك السلام يا إبراهيم فقلت‏:‏ كيف عرفتني فقال‏:‏ من عرف الله عز وجل لم يخف عليه شيء فقلت‏:‏ أرى لك حالاً مع الله عز وجل فلو سألته أن يحميك من هذه الزنابير فقال‏:‏ وأرى لك حالاً مع الله عز وجل فلو سألته أن يحميك من شهوة الرمان فإن لدغ الرمان يجد الإنسان ألمه في الآخرة ولدغ الزنابير يجد ألمه في الدنيا فتركته ومضيت‏.‏

وقال السري‏:‏ أنا منذ أربعين سنة تطالبني نفسي أن أغمس خبزة في دبس فما أطعمتها‏.‏

فإذن لا يمكن إصلاح القلب لسلوك طريق الآخرة ما لم يمنع نفسه عن التنعم بالمباح فإن النفس إذا لم تمنع بعض المباحات طمعت في المحظورات فمن أراد حفظ لسانه عن الغيبة والفضول فحقه أن يلزمه السكوت إلا عن ذكر الله وإلا عن المهمات في الدين حتى تموت منه شهوة الكلام فلا يتكلم إلا بحق فيكون سكوته عبادة وكلامه عبادة‏.‏

ومهما اعتادت العين رمي البصر إلى كل شيء جميل لم تتحفظ عن النظر إلى ما لا يحل وكذلك سائر الشهوات لأن الذي يشتهى به الحلال هو بعينه الذي يشتهي الحرام فالشهوة واحدة وقد وجب على العبد منعها من الحرام فإن لم يعودها الاقتصاد على قدر الضرورة من الشهوات غلبته‏.‏

فهذه إحدى المباحات ووراءها آفات عظيمة أعظم من هذه وهو أن النفس تفرح بالتنعم في الدنيا وتركن إليها وتطمئن إليها أشراً وبطراً حتى تصير ثملة كالسكران الذي لا يفيق من سكره‏.‏

وذلك الفرح بالدنيا سم قاتل يسري في العروق فيخرج من القلب الخوف والحزن وذكر الموت وأهوال يوم القيامة وهذا هو موت القلب‏.‏

قال الله تعالى ‏"‏ ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوابها ‏"‏ وقال تعالى ‏"‏ وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ‏"‏ وقال تعالى ‏"‏ اعلموا إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ‏"‏ وكل ذلك ذم لها فنسأل الله السلامة‏.‏

فأولو الحزم من أرباب القلوب جربوا قلوبهم في حال الفرح بمؤاتاة الدنيا فوجدوها قاسية نفرة بعيدة التأثر عن ذكر الله واليوم الآخر وجربوها في حالة الحزن فوجدوها لينة رقيقة صافية قابلة لأثر الذكر‏.‏

فعلموا أن النجاة في الحزن الدائم والتباعد من أسباب الفرح والبطر ففطموها عن ملاذها وعودوها الصبر عن شهواتها - حلالها وحرامهاوعلموا أن حلالها حساب وحرامها

عقاب ومتشابهها عتاب وهو نوع عذاب فمن نوقش الحساب في عرصات القيامة فقد عذب‏.‏

فخلصوا أنفسهم من عذابها وتوصلوا إلى الحرية والملك الدائم في الدنيا والآخرة بالخلاص من أسر الشهوات ورقها والأنس بذكر الله عز وجل والاشتغال بطاعته‏.‏

وفعلوا بها ما يفعل بالبازي إذا قصد تأديبه ونقله من التوثب والاستيحاش إلى الانقياد والتأديب فإنه يحبس أولاً في بيت مظلم وتخاط عيناه حتى يحصل به الفطام عن الطيران في جو الهواء وينسى ما قد كان ألفه من طبع الاسترسال ثم يرفق باللحم حتى يأنس بصاحبه ويألفه إلفاً إذا دعاه أجابه ومهما سمع صوته رجع إليه‏.‏

فكذلك النفس لا تألف ربها ولا تأنس بذكره إلا إذا فطمت عن عادتها بالخلوة والعزلة أولاً ليحفظ السمع والبصر عن المألوفات ثم عودت الثناء والذكر والدعاء ثانياً في الخلوة حتى يغلب عليها الأنس بذكر الله عز وجل عوضاً عن الأنس بالدنيا وسائر الشهوات وذلك يثقل على المريد في البداية ثم ينعم به في النهاية كالصبي يفطم عن الثدي وهو شديد عليه إذا كان لا يصبر عنه ساعة فلذلك يشتد بكاؤه وجزعه عند الفطام ويشتد نفوره عن الطعام الذي يقدم إليه بدلاً عن اللبن ولكنه إذا منع اللبن رأساً يوماً فيوماً وعظم تعبه في الصبر عليه وغلبه الجوع تناول الطعام تكلفاً ثم يصير له طبعاً‏.‏

فلو رد بعد ذلك إلى الثدي لم يرجع إليه فيهجر الثدي ويعاف اللبن ويألف الطعام‏.‏

وكذلك الدابة في الابتداء تنفر عن السرج واللجام والركوب

فتحمل على ذلك قهراً وتمنع عن السرج الذي ألفته بالسلاسل والقيود أولاً ثم تأنس به بحيث تترك في موضعها فتقف فيه من غير قيد‏.‏

فكذلك تؤدب النفس كما تؤدب الطير والدواب وتأديبها بأن تمنع من النظر والأنس والفرح بنعيم الدنيا بل بكل ما يزايلها بالموت إذ قيل له أحبب ما أحببت فإنك مفارقه‏.‏

فإذا علم أنه من أحب شيئاً يلزمه فراقه ويشقى لا محالة لفراقه شغل قلبه بحب ما لا يفارقه وهو ذكر الله تعالى فإن ذلك يصحبه في القبر ولا يفارقه‏.‏

وكل ذلك يتم بالصبر أولاً أياماً قلائل فإن العمر قليل بالإضافة إلى مدة حياة الآخرة‏.‏

وما من عاقل إلا وهو راض باحتمال سفر وتعلم صناعة وغيرها شهراً ليتنعم به سنة أو دهراً‏.‏

وكل العمر بالإضافة إلى الأبد أقل من الشهر بالإضافة إلى عمر الدنيا‏.‏

فلا بد من الصبر والمجاهدة فعند الصباح يحمد القوم السرى وتذهب عنهم عمايات الكرى كما قاله علي رضي الله عنه‏.‏

وطريق المجاهدة والرياضة لكل إنسان تختلف بحسب اختلاف أحواله‏.‏

والأصل فيه أن يترك كل واحد ما به فرحه من أسباب الدنيا فالذي يفرح بالمال أو بالجاه أو بالقبول في الوعظ أو بالعز في القضاء والولاية أو بكثرة الأتباع في التدريس والإفادة فينبغي أن يترك أولاً ما به فرحه فإنه إن منع عن شيء من ذلك وقيل له ثوابك في الآخرة لم ينقص بالمنع فكره ذلك وتألم به فهو ممن فرح

بالحياة الدنيا واطمأن بها وذلك مهلك في حقه‏.‏

ثم إذا ترك أسباب الفرح فليعتزل الناس ولينفرد بنفسه وليراقب قلبه حتى لا يشتغل إلا بذكر الله تعالى والفكر فيه‏.‏

وليترصد لما يبدو في نفسه من شهوة ووسواس حتى يقمع مادته مهما ظهر فإن لكل وسوسة سبباً ولا تزول إلا بقطع ذلك السبب والعلاقة‏.‏

وليلازم ذلك بقية العمر فليس للجهاد آخر إلا بالموت‏.‏

بيان علامات حسن الخلق

اعلم أن كل إنسان جاهل بعيوب نفسه فإذا جاهد نفسه أدنى مجاهدة حتى ترك فواحش المعاصي ربما يظن بنفسه أنه هذب نفسه وحسن خلقه واستغنى عن المجاهدة فلا بد من إيضاح علامة حسن الخلق‏.‏

فإن حسن الخلق هو الإيمان وسوء الخلق هو النفاق‏.‏

وقد ذكر الله تعالى صفات المؤمنين والمنافقين في كتابه وهي بجملتها ثمرة حسن الخلق وسوء الخلق‏.‏

فلنورد جملة من ذلك لتعلم آية حسن الخلق‏.‏

قال الله تعالى ‏"‏ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون ‏"‏ إلى قوله ‏"‏ أولئك هم الوارثون ‏"‏ وقال عز وجل ‏"‏ التائبون العابدون الحامدون ‏"‏ إلى قوله ‏"‏ وبشر المؤمنين ‏"‏ وقال عز وجل ‏"‏ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ‏"‏ إلى قوله ‏"‏ أولئك هم المؤمنون حقاً ‏"‏ وقال تعالى ‏"‏ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ‏"‏ إلى آخر السورة‏.‏

من أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات فوجود جميع هذه الصفات علامة حسن الخلق وفقد جميعها علامة سوء الخلق ووجود بعضها دون بعض يدل على البعض دون البعض فليشتغل بتحصيل ما فقده وحفظ ما وجده‏.‏

وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن بصفات كثيرة وأشار بجميعها إلى محاسن الأخلاق فقال ‏"‏ المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ‏"‏ وقال عليه السلام ‏"‏ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من كان يؤمن باالله واليوم الآخر فليكرم جاره وقال ‏"‏ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت وذكر أن صفات المؤمنين هي حسن الخلق فقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إذا رأيتم المؤمن صموتاً وقوراً فادنوا منه فإنه يلقن الحكمة وقال ‏"‏ من

سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن وقال ‏"‏ لا يحل لمؤمن أن يشير إلى أخيه بنظرة تؤذيه وقال عليه السلام ‏"‏ لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إنما يتجالس المتجالسان

بأمانة الله عز وجل فلا يحل لأحدهما أن يفشي على أخيه ما يكرهه‏.‏

وجمع بعضهم علامات حسن الخلق فقال‏:‏ هو أن يكون كثير الحياء قليل الأذى كثير الصلاح صدوق اللسان قليل الكلام كثير العمل قليل الزلل قليل الفضول براً وصولاً وقوراً صبوراً شكوراً رضياً حكيماً رفيقاً عفيفاً شفيقاً لا لعاناً ولا سباباً ولا نماماً ولا مغتاباً ولا عجولاً ولا حقوداً ولا بخيلاً ولا حسوداً بشاشاً هشاشاً يحب في الله ويبغض في الله ويرضى في الله وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علامة المؤمن والمنافق فقال ‏"‏ إن المؤمن همته في الصلاة والصيام والعبادة والمنافق همته في الطعام والشراب كالبهيمة وقال حاتم الأصم‏:‏ المؤمن مشغول بالفكر والعبر والمنافق مشغول بالحرص والأمل والمؤمن آيس من كل أحد إلا من الله والمنافق راج كل أحد إلا الله والمؤمن آمن كل أحد إلا من الله والمنافق خائف من كل أحد إلا من الله والمؤمن يقدم ماله دون دينه والمنافق يقدم دينه دون ماله والمؤمن يحسن ويبكي والمنافق يسيء ويضحك والمؤمن يحب الخلوة والوحدة والمنافق يحب الخلطة والملأ والمؤمن يزرع ويخشى الفساد والمنافق يقلع ويرجو الحصاد والمؤمن يأمر وينهى للسياسة فيصلح والمنافق يأمر وينهى للرياسة فيفسد‏.‏

وأولى ما يمتحن به حسن الخلق الصبر على الأذى واحتمال الجفاء ومن شكا من سوء خلق غيره دل ذلك على سوء خلقه فإن حسن الخلق احتمال الأذى فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوماً يمشي ومعه أنس فأدركه أعرابي فجذبه جذباً شديداً وكان عليه برد نجراني غليظ الحاشية قال أنس رضي الله عنه‏:‏ حتى نظرت إلى عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جذبه فقال‏:‏ يا محمد هب لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحك ثم أمر بإعطائه ولما أكثرت قريش إيذاءه وضربه قال‏:‏ اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ‏"‏ قيل إن هذا يوم أحد فلذلك أنزل الله تعالى ‏"‏ وإنك لعلى خلق عظيم ‏"‏ ويحكى أن إبراهيم بن أدهم خرج يوماً إلى بعض البراري فاستقبله رجل جندي فقال‏:‏ أنت عبد قال‏:‏ نعم فقال له‏:‏ أين العمران فأشار إلى المقبرة فقال الجندي‏:‏ إنما أردت العمران فقال‏:‏ هو المقبرة فغاظه ذلك فضرب رأسه بالسوط فشجه ورده إلى البلد فاستقبله أصحابه فقالوا مال الخبر فأخبرهم الجندي ما قال له فقالوا هذا

إبراهيم بن أدهم‏!‏ فنزل الجندي عن فرسه وقبل يديه ورجليه وجعل يعتذر إليه فقيل بعد ذلك له‏:‏ لم قلت له أنا عبد فقال‏:‏ إنه لم يسألني‏:‏ عبد من أنت بل قال‏:‏ أنت عبد فقلت‏:‏ نعم لأني عبد الله فلما ضرب رأسي سألت الله له الجنة قيل كيف وقد ظلمك فقال‏:‏ علمت أنني أؤجر على ما نالني منه فلم أرد أن يكون نصيبي منه الخير ونصيبه مني الشر‏.‏

ودعى أبو عثمان الحيري إلى دعوة - وكان الداعي قد أراد تجربته - فلما بلغ منزله قال له‏:‏ ليس لي وجه فرجع أبو عثمان فلما ذهب غير بعيد دعاه ثانياً فقال له‏:‏ يا أستاذ ارجع فرجع أبو عثمان فقال له مثل مقالته الأولى فرجع ثم دعاه الثالثة وقال‏:‏ ارجع على ما يوجب الوقت فرجع فلما بلغ الباب فإن له مثل مقالته الأولى فرجع أبو عثمان ثم جاءه الرابعة فرده حتى عامله بذلك مرات وأبو عثمان لا يتغير من ذلك فأكب على رجليه وقال له‏:‏ يا أستاذ إنما أردت أن أختبرك فما أحسن خلقك‏!‏ فقال‏:‏ إن الذي رأيت مني هو خلق الكلب إن الكلب إذا دعي أجاب وإذا زجر انزجر‏.‏

وروي عنه أيضاً أنه اجتاز يوماً في سكة فطرحت عليه إجانة رماد فنزل عن دابته فسجد سجدة الشكر ثم جعل ينفض الرماد عن ثيابه ولم يقل شيئاً فقيل ألا زبرتهم فقال إن من استحق النار فصولح على الرماد لم يجز له أن يغضب وروي أن علي بن موسى الرضا رحمة الله عليه كان لونه يميل إلى السواد - إذ كانت أمه سوداء - وكان نيسابور حمام على باب داره وكان إذا أراد دخول الحمام فرغه له الحمامي فدخل ذات يوم فأغلق الحمامي الباب ومضى في بعض حوائجه فتقدم رجل رستاقي إلى باب الحمام ففتحه ودخل فنزع ثيابه ودخل فرأى علي بن موسى الرضا فظن أنه بعض خدام الحمام فقال له‏:‏ قم واحمل إلي الماء فقام علي بن موسى وامتثل جميع ما كان يأمره به فرجع الحمامي فرأى ثياب الرستاقي وسمع كلامه مع علي بن

موسى الرضا فخاف وهرب وخلاهما فلما خرج علي بن موسى سأل عن الحمامي فقيل له‏:‏ إنه خاف مما جرى فهرب قال‏:‏ لا ينبغي له أن يهرب إنما الذنب لمن وضع ماءه عند أمة سوداء‏.‏

وروي أن أبا عبد الله الخياط كان يجلس على دكانه وكان له حريف مجوسي يستعمله في الخياطة فكان إذا خاط له شيئاً حمل إليه دراهم زائفة فكان أبو عبد الله يأخذ منه ولا يخبره بذلك ولا يردها عليه فاتفق يوماً أن أبا عبد الله قام لبعض حاجته فأتى المجوسي فلم يجده فدفع إلى تلميذه الأجرة واسترجع ما قد خاطه فكان درهماً زائفاً فلما نظر إليه التلميذعرف أنه زائف فرده عليه فلما عاد أبو عبد الله أخبره بذلك فقال‏:‏ بئس ما عملت هذا المجوسي يعاملني بهذه المعاملة منذ سنة وأنا أصبر عليه وآخذ الدراهم منه وألقيها في البئر لئلا يغر بها مسلماً‏.‏

وقال يوسف بن أسباط‏:‏ علامة حسن الخلق عشر خصال قلة الحلاف وحسن الإنصاف وترك طلب العثرات وتحسين ما يبدو من السيئات والتماس المعذرة واحتمال الأذى والرجوع بالملامة على النفس والتفرد بمعرفة عيوب نفسه دون عيوب غيره وطلاقة الوجه للصغير والكبير ولطف الكلام لمن دونه ولمن فوقه‏.‏

وسئل سهل عن حسن الخلق فقال‏:‏ أدناه احتمال الأذى وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه‏.‏

وقيل للأحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم‏!‏ فقال‏:‏ من قيس بن عاصم قيل ما وبلغ من حلمه قال‏:‏ بينما هو جالس في داره إذ أتته جارية له بسفود عليه شواء فسقط من يدها فوقع على ابن له صغير فمات فدهشت الجارية فقال لها‏:‏ لا روع عليك أنت حرة لوجه الله تعالى‏.‏

وقيل أن أويساً القرني كان إذا رآه الصبيان يرمونه بالحجارة فكان يقول لهم‏:‏ يا إخوتاه إن كان ولا بد فارموني بالصغار حتى لا تدموا ساقي فتمنعوني عن الصلاة‏.‏

وشتم رجل الأحنف بن قيس وهو لا يجيبه وكان يتبعه فلما قرب من الحي وقف وقال‏:‏ إن كان قد بقي في نفسك شيء فقله كي لا يسمعك بعض سفهاء الحي فيؤذوك وروي أن علياً كرم الله وجهه دعا غلاماً فلم يجبه فدعاه ثانياً وثالثاً فلم يجبه‏.‏

فقام إليه فرآه مضطجعاً فقال‏:‏ أما تسمع يا غلام قال‏:‏ بلى قال‏:‏ فما حملك على ترك إجابتي قال‏:‏ أمنت عقوبتك فتكاسلت فقال‏:‏ امض فأنت حر لوجه الله تعالى‏.‏

وقالت امرأة لمالك بن دينار رحمه الله‏:‏ يا مرائي فقال‏:‏ يا هذه وجدت اسمي الذي أضله أهل البصرة‏.‏

وكان ليحيى بن زياد الحارثي غلام سوء فقيل له‏:‏ لم تمسكه فقال‏:‏ لأتعلم الحلم عليه‏.‏

فهذه نفوس قد ذللت بالرياضة فاعتدلت أخلاقها ونقيت من الغش والغل والحقد بواطنها فأثمرت الرضا بكل ما قدره الله تعالى وهو منتهى حسن الخلق‏.‏

فإن من يكره فعل الله تعالى ولا يرضى به فهو غاية سوء خلقه فهؤلاء ظهرت العلامات على ظواهرهم كما ذكرناه‏.‏

فمن لم يصادف من نفسه هذه العلامات فلا ينبغي أن يغتر بنفسه فيظن بها حسن الخلق بل ينبغي أن يشتغل بالرياضة والمجاهدة إلى أن يبلغ درجة حسن الخلق فإنها درجة رفيعة لا ينالها إلا المقربون والصديقون‏.‏

بيان الطريق في رياضة الصبيان

اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها والصبيان أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبوه وكل معلم له ومؤدب وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له‏.‏

وقد قال الله عز وجل ‏"‏ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ‏"‏ ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من القرناء السوء ولا يعوده التنعم ولا يحبب عليه الزينة والرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة متدينة تأكل الحلال فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه فإذا وقع عليه نشو الصبي انعجنت طينته من الخبيث فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث‏.‏

ومهما رأى فيه مخايل التمييز فينبغي أن يحسن مراقبته وأول ذلك ظهور أوائل الحياء فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه حتى يرى بعض الأشياء قبيحاً ومخالفاً للبعض فصار يستحي من شيء دون شيء وهذه هدية من الله تعالى إليه وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ فالصبي المستحي لا ينبغي أن يهمل بل يستعان على تأديبه بحيائه أو تمييزه وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام فينبغي أن يؤدب فيه مثل أن لا يأخذ الطعام إلا بيمينه وأن يقول عليه بسم الله عند أخذه وأن يأكل مما يليه وأن لا يبادر إلى الطعام قبل غيره ولايحدق النظر إليه ولا إلى من يأكل وأن لا يسرع في الأكل وأن يجيد المضغ وأن لا يوالي لين اللقم ولا يلطخ يده ولا ثوبه وأن يعود الخبز القفار في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث يرى الأدم حتماً ويقبح عنده كثرة الأكل بأن يشبه كل من يكثر الأكل بالبهائم وبأن يذم بين يديه الصبي الذي يكثر الأكل ويمدح عنده الصبي المتأدب القليل الأكل وأن يحبب إليه الإيثار بالطعام وقلة المبالاة به والقناعة بالطعام الخشن أي طعام كان وأن يحبب إليه من الثياب البيض دون الملون والإبريسم ويقرر عنده أن ذلك شأن النساء والمخنثين وأن الرجال يستنكفون منه ويكرر ذلك عليه ومهما رأى على صبي ثوباً من إبريسم أو ملون فينبغي أن يستنكره ويذمه ويحفظ الصبي عن الصبيان الذين عودوا التنعم والرفاهية ولبس الثياب الفاخرة وعن مخالطة كل من يسمعه ما يرغبه فيه فإن الصبي مهما أهمل في ابتداء نشؤه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذاباً حسوداً نماماً لحوحاً ذا فصول وضحك وكياد ومجانة وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب ثم يشتغل في المكتب فيتعلم القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار وأحوالهم لينغرس في نفسه حب الصالحين ويحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظرف ورقة الطبع فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذر الفساد‏.‏

ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر الناس فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره ولا يكاشفه ولا يظهر له أن يتصور أن يتجاسروا أحد على مثله ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة فعند ذلك إن عاد ثانياً فينبغي أن يعاتب سراً ويعظم الأمر فيه ويقال له‏:‏ إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا وأن يطلع عليك في مثل هذا فتفتضح بين الناس ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح ويسقط وقع الكلام من قلبه وليكن الأب حافظاً هيبة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحياناً والأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح وينبغي أن يمنع عن النوم نهاراً فإنه يورث الكسل ولا يمنع منه ليلاً ولكن يمنع الفرش الوطيئة حتى تتصلب أعضاؤه ولا يسمن بدنه فلا يصبر عن التنعم بل يعود الخشونة في المفرش والملبس والمطعم

وينبغي أن يمنع من كل ما يفعله في خفية فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد أنه قبيح فإذا ترك تعود فعل القبيح ويعود في بعض النهار المشي والحركة والرياضة حتى لا يغلب عليه الكسل ويعود أن لا يكشف أطرافه ولا يسرع المشي ولا يرخي يديه بل يضمها إلى صدره ويمنع من أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والداه أو بشي من مطاعمه وملابسه أو لوحه ودواته بل يعود التواضع والإكرام لكل من عاشره والتلطف في الكلام معهم ويمنع من أن يأخذ من الصبيان شيئاً بدا له حشمة إن كان من أولاد المحتشمين بل يعلم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ وأن الأخذ لؤم وخسة ودناءة‏:‏ وإن كان من أولاد الفقراء فليعلم أن الطمع والأخذ مهانة وذلة وأن ذلك من دأب الكلب فإنه يبصبص في انتظار لقمة والطمع فيها‏.‏

وبالجملة يقبح إلى الصبيان حب الذهب والفضة والطمع فيهما ويحذر منهما أكثر مما يحذر من الحيات والعقارب فإنه آفة حب الذهب والفضة والطمع فيهما أضر من آفة السموم على الصبيان بل على الأكابر أيضاً وينبغي أن يعود أن لا يبصق في مجلسه ولا يمتخط ولا يتثاءب بحضرة غيره ولا يستدبر غيره ولا يضع رجلاً على رجل ولا يضع كفه تحت ذقنه ولا يعمد رأسه بساعده فإن ذلك دليل الكسل‏.‏

ويعلم كيفية الجلوس ويمنع كثرة الكلام ويبين له أن ذلك يدل على الوقاحة وأنه فعل أبناء اللئام ويمنع اليمين رأساً - صادقاً أو كاذباً - حتى لا يعتاد ذلك في الصغر ويمنع أن يبتدئ بالكلام ويعود أن لا يتكلم إلا جواباً وبقدر السؤال وأن يحسن الاستماع مهما تكلم غيره ممن هو أكبر منه سناً وأن يقوم لمن فوقه ويوسع له المكان ويجلس بين يديه ويمنع من لغو الكلام وفحشه ومن اللعن والسب ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك فإن ذلك يسري لا محالة من القرناء السوء وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء وينبغي إذا ضربه المعلم أن لا يكثر الصراخ والشغب ولا يستشفع بأحد بل يصبر ويذكر له أن ذلك دأب الشجعان والرجال وأن كثرة الصراخ دأب المماليك والنسوان‏.‏

وينبغي أن يؤذن له بعد الإنصراف من الكتاب أن يلعب لعباً جميلاً يستريح إليه من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللعب فإن منع الصبي من اللعب وإرهاقه إلى التعلم دائماً يميت قلبه ويبطل ذكاءه وينغص عليه العيش حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأساً‏.‏

وينبغي أن يعلم طاعة والديه ومعلمه ومؤدبه ومن هو أكبر منه سناً من قريب وأجنبي وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم وأن يترك اللعب بين أيديهم‏.‏

ومهما بلغ سن التمييز فينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاة ويؤمر

بالصوم في بعض أيام رمضان ويجنب لبس الديباج والحرير والذهب ويعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشرع‏.‏

ويخوف من السرقة وأكل الحرام ومن الخيانة والكذب والفحش وكل ما يغلب على الصبيان فإذا وقع نشوه كذلك في الصبا فمهما قارب البلوغ أمكن أن يعرف أسرار هذه الأمور فيذكر له أن الأطعمة أدوية وإنما المقصود منها أن يقوى الإنسان بها على طاعة الله عز وجل وأن الدنيا كلها لا أصل لها إذ لا بقاء لها وإن الموت يقطع نعيمها وأنها دار ممر لا دار مقر وأن الآخرة دار مقر لا دار ممر وأن الموت منتظر في كل ساعة وأن الكيس العاقل من تزود من الدنيا للآخرة حتى تعظم درجته عند الله تعالى ويتسع نعيمه في الجنان فإذا كان النشو صالحاً كان هذا الكلام عند البلوغ واقعاً مؤثراُ ناجعاً يثبت في قلبه كما يثبت النقش في الحجر‏.‏

وإن وقع النشو بخلاف ذلك حتى ألف الصبي اللعب والفحش والوقاحة وشره الطعام واللباس والتزين والتفاخر نبا قبله عن قبول الحق نبوة الحائط على التراب اليابس‏.‏

فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تراعى فإن الصبي بجوهره خلق قابلاً للخير والشر جميعاً وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين‏.‏

قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه قال سهل بن عبد الله التستري‏:‏ كنت وأنا ابن ثلاث سنين أقوم بالليل فأنظر إلى صلاة خالي محمد بن سواء فقال لي يوماً‏:‏ ألا تذكر الله الذي خلقك فقلت‏:‏ كيف أذكره قال‏:‏ قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك الله معي الله ناظر إلي الله شاهدي فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته فقال‏:‏ قل في كل ليلة سبع مرات فقلت ذلك ثم أعلمته فقال‏:‏ قل ذلك كل ليلة إحدى عشر مرة فقلته فوقع في قلبي حلاوته فلما كان بعد سنة قال لي خالي‏:‏ احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة فلم أزل على ذلك سنين فوجدت لذلك حلاوة في سري ثم قال لي خالي يوماً‏:‏ يا سهل من كان الله معه وناظراً إليه وشاهده أيعصيه إياك والمعصية فكنت أخلو بنفسي فبعثوا بي إلى المكتب فقلت‏:‏ إني لأخشى أن يتفرق على همي ولكن شارطوا المعلم أني أذهب إليه ساعة فأتعلم ثم أرجع فمضيت إلى الكتاب فتعلمت القرآن وحفظته وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين وكنت أصوم الدهر وقوتي من خبز الشعير اثنتي عشرة سنة فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فسألت أهلي أن يبعثوني إلى أهل البصرة لأسأل عنها فأتيت البصرة فسألت علماءها فلم يشف أحد عني شيئاً‏.‏

فخرجت إلى عبادان إلى رجل يعرف بأبي حبيب حمزة بن أبي عبد الله العباداني فسألته عنها فأجابني فأقمت عنده مدة أنتفع بكلامه وأتأدب بآدابه ثم رجعت إلى تستر فجعلت قوتي اقتصاداً على أن يشترى لي بدرهم من الشعير الفرق فيطحن ويخبز لي فأفطر عند السحر على أوقية كل ليلة بحنا من غير ملح ولا أدم فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة‏.‏

ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال ثم أفطر ليلة‏.‏

ثم خمساً ثم سبعاً ثم خمساً وعشرين ليلة فكنت على ذلك عشرين سنة ثم خرجت أسيح في الأرض سنين ثم رجعت إلى تستر وكنت أقوم الليل كله ما شاء الله تعالى قال أحمد‏:‏ فما رأيته أكل الملح حتى لقي الله تعالى‏.‏

وتدريج المريد في سلوك سبيل الرياضة واعلم أن من شاهد الآخرة بقلبه مشاهدة يقين أصبح بالضرورة مريداً حرث الآخرة مشتاقاً إليها سالكاً سبلها مستهيناً بنعيم الدنيا ولذاتها فإن من كانت عنده خرزة فرأى نفيسة لم يبق له رغبة في الخرزة وقويت إرادته في بيعها بالجوهرة ومن ليس مريداً حرث الآخرة ولا طالباً للقاء الله تعالى فهو لعدم إيمانه بالله واليوم الآخر - وليست أعني بالإيمان حديث النفس وحركة اللسان بكلمتي الشهادة من غير صدق وإخلاص‏.‏

فإن ذلك يضاهي قول من صدق بأن الجوهرة خيرة من الخرزة إلا أنه لا يدري من الجوهرة إلا لفظها وأما حقيقتها فلا ومثل هذا المصدق إذا ألف الخرزة قد لا يتركها ولا يعظم اشتياقه إلى الجوهرة فإذن المانع من الوصول عدم السلوك والمانع من السلوك عدم الإرادة والمانع من الإرادة عدم الإيمان وسبب عدم الإيمان عدم الهداة والمذكرين والعلماء بالله تعالى الهادين إلى طريقه والمنبهين على حقارة الدنيا وانقراضها وعظم أمر الآخرة ودوامها - فالخلق غافلون قد انهمكوا في شهواتهم وغاصوا في رقدتهم وليس في علماء الدين من ينبههم فإن تنبه منهم متنبه عجز عن سلوك الطريق لجهله فإن طلب الطريق من العلماء وجدهم مائلين إلى الهوى عادلين عن نهج الطريق فصار ضعف الإرادة ولجهل بالطريق ونطق العلماء بالهوى سبباً لخلق طريق الله تعالى عن السالكين فيه‏.‏

ومهما كان المطلوب محجوباً والدليل مفقوداً والهوى غالباً والطالب غافلاً امتنع الوصول وتعطلت الطرق لا محالة‏.‏

فإن تنبه متنبه من نفسه أو من تنبيه غيره وانبعث له إرادة في حرث الآخرة وتجارتها فينبغي أن يعلم له شروطاً لا بد من تقديمها في بداية الإرادة وله معتصم لا بد من التمسك به‏.‏

وله حصن لا بد من التحصن به ليأمن من الأعداء القطاع لطريقه وعليه وظائف لا بد من ملازمتها في وقت سلوك الطريق‏.‏

أما الشروط التي لا بد من تقديمها في الإرادة فهي رفع السد والحجاب الذي بينه وبين الحق‏.‏

فإن حرمان الخلق عن الحق سببه تراكم الحجب ووقوع السد على الطريق قال الله تعالى ‏"‏ وجعلنا

من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون ‏"‏‏.‏

والسد بين المريد وبين الحق أربعة‏:‏ المال والجاه والتقليد والمعصية‏.‏

وإنما يرفع حجاب المال بخروجه عن ملكه حتى لا يبقى له إلا قدر الضرورة فما دام يبقى له درهم يلتفت إليه فهو مقيد به محجوب عن الله عز وجل‏.‏

وإنما يرتفع حجاب الجاه بالبعد عن موضع الجاه بالتواضع وإيثار الخمول والهرب من أسباب الذكر وتعاطي أعمال تنفر قلوب الخلق عنه‏.‏

وإنما يرتفع حجاب التقليد بأن يترك التعصب للمذاهب وأن يصدق بمعنى قوله ‏"‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله ‏"‏ تصديق إيمان ويحرص في تحقيق صدقه بأن يرفع كل معبود له سوى الله تعالى - وأعظم معبود له الهوى - حتى إذا فهل ذلك انكشف له حقيقة الأمر في معنى اعتقاده الذي تلقفه تقليداً فينبغي أن يطلب كشف ذلك من المجاهدة لا من المجادلة فإن غلب عليه التعصب لمعتقده ولم يبق في نفسه متسع لغيره صار ذلك قيداً له وحجاباً إذ ليس من شرط المريد الانتماء إلى مذهب معين أصلاً‏.‏

وأما المعصية فهي حجاب ولا يرفعها إلا التوبة والخروج من المظالم وتصميم العزم على ترك العود وتحقيق الندم على ما مضى ورد المظالم وإرضاء الخصوم فإن من لم يصحح التوبة ولم يهجر المعاصي الظاهرة وأراد أن يقف على أسرار الدين بالمكاشفة كان كمن يريد أن يقف على أسرار القرآن وتفسيره وهو بعد لم يتعلم لغة العرب‏.‏

فإن ترجمة عربية القرآن لا بد من تقديمها أولاً ثم الترقي منها إلى أسرار معانيه فكذلك لا بد من تصحيح الشريعة أولاً وآخراً ثم الترقي إلى أغوارها وأسرارها‏.‏

فإذا قدم هذه الشروط الأربعة وتجرد عن المال والجاه كان كمن تطهر وتوضأ ورفع الحدث وصار صالحاً للصلاة فيحتاج إلى إمام يقتدى به فكذلك المريد يحتاج إلى شيخ وأستاذ يقتدى به لا محالة ليهديه إلى سواء السبيل فإن سبيل الدين غامض وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة فمن لم يكن له شيخ يهديه قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة فمن سلك سبل البوادي المهلكة بغير خفير فقد خاطر بنفسه وأهلكها ويكون المستقل بنفسه كالشجرة التي تنبت بنفسها فإنها تجف على القرب وإن بقيت مدة وأورقت لم تثمر‏.‏

فمعتصم المريد بعد تقديم الشروط المذكورة شيخه فليتمسك به تمسك الأعمى على شاطئ النهر بالقائد بحيث يفوض أمره إليه بالكلية ولا يخالفه في ورده ولا صدره ولا يبقى في متابعته شيئاً ولا يذر وليعلم أن نفعه في خطأ أكثر من نفعه في صواب نفسه لو أصاب فإذا وجد مثل هذا المعتصم وجب على معتصمه أن يحميه ويعصمه بحصن حصين يدفع عنه قواطع الطريق وهو أربعة أمور‏:‏ الخلوة والصمت والجوع والسهر‏.‏

وهذا تحصن من القواطع فإن مقصود المريد إصلاح قلبه ليشاهد به ربه ويصلح لقربه‏.‏

أما الجوع فإنه ينقص دم القلب ويبيضه وفي بياضه نوره ويذيب شحم الفؤاد وفي ذوبانه رقته ورقته مفتاح المكاشفة كما أن قساوته سبب الحجاب‏.‏

ومهما نقص دم القلب ضاق مسلك العدو فإن مجاريه العروق الممتلئة بالشهوات‏.‏

وقال عيسى عليه السلام‏:‏ يا معشر الحواريين جوعوا بطونكم لعل قلوبكم ترى ربكم‏!‏ وقال سهل بن عبد الله التستري‏:‏ ما صار الأبدال أبدالاً إلا بأربع خصال بإخماص البطون والسهر والصمت والاعتزال عن الناس‏.‏

ففائدة الجوع في تنوير القلب أمر ظاهر يشهد له التجربة وسيأتي بيان وجه التدريج فيه في كتاب كسر الشهوتين‏.‏

وأما السهر فإنه يجلو القلب ويصفيه وينوره فيضاف ذلك إلى الصفاء الذي حصل من الجوع فيصير كالكوكب الدري والمرآة المجلوة فيلوح فيه جمال الحق ويشاهد فيه رفيع الدرجات في الآخرة وحقارة الدنيا وآفاتها فتتم بذلك رغبته عن الدنيا وإقباله على الآخرة‏.‏

والسهر أيضاً نتيجة الجوع فإن السهر مع الشيع غير ممكن والنوم يقسي القلب ويميته إلا إذا كان بقدر الضرورة فيكون سبب المكاشفة لأسرار الغيب‏.‏

فقد قيل في صفة الأبدال‏:‏ إن أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة‏.‏

وقال إبراهيم الخواص رحمه الله‏:‏ أجمع رأى سبعين صديقاً على أن كثرة النوم من كثرة شرب الماء‏.‏

وأما الصمت فإنه تسهله العزلة ولكن المعتزل لا يخلو عن مشاهدة من يقوم له بطعامه وشرابه وتدبير أمره فينبغي أن لا يتكلم إلا بقدر الضرورة فإن الكلام يشغل القلب وشره القلوب إلى الكلام عظيم فإنه يستروح إليه ويستثقل التجرد للذكر والفكر فيستريح إليه‏.‏

فالصمت يلقح العقل ويجلب الورع ويعلم التقوى‏.‏

وأما حياة الخلوة ففائدتها دفع الشواغل وضبط السمع والبصر فإنهما دهليز القلب‏.‏

والقلب في حكم حوض تنصب إليه مياه كريهة كدرة قذرة من أنهار الحواس ومقصود الرياضة تفريغ الحوض من تلك المياه ومن الطين الحاصل منها ليتفجر أصل الحوض فيخرج منه الماء النظيف الطاهر وكيف يصح له أن ينزح الماء من الحوض والأنهار مفتوحة غليه فيتجدد في كل حال أكثر مما ينقص فلا بد من ضبط الحواس إلا عن قدر الضرورة وليس يتم ذلك إلا بالخلوة في بيت مظلم وإن لم يكن له مكان مظلم فليلف رأسه في جيبه أو يتدثر بكساء أو إزار ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد جلال الحضرة الربوبية‏.‏

أما ترى أن نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه وهو على مثل هذه الصفة فقيل له ‏"‏ يا أيها المزمل - يا أيها المدثر‏.‏

فهذه الأربعة جنة وحصن بها تدفع عنه القواطع وتمنع العوارض القاطعة للطريق‏.‏

فإذا فعل ذلك اشتغل بعده بسلوك الطريق‏.‏

وإنما سلوكه بقطع العقبات ولا عقبة على طريقالله تعالى غلا صفات القلب التي سببها الالتفات إلى الدنيا وبعض تلك العقبات أعظم من بعض‏.‏

والترتيب في قطعها أن يشتغل بالأسهل فالأسهل وهي تلك الصفات أعني أسرار العلائق التي قطعها في أول الإرادة وآثارها أعني المال والجاه وحب الدنيا والالتفات إلى الخلق والتشوف إلى المعاصي فلا بد أن يخلي الباطن عن آثارها كما أخلي الظاهر عن أسبابها الظاهرة وفيه تطول المجاهدة ويختلف ذلك باختلاف الأحوال فرب شخص قد كفى أكثر الصفات فلا تطول عليه المجاهدة وقد ذكرنا أن طريق المجاهدة مضادة الشهوات ومخالفة الهوى في كل صفة غالبة على نفس المريد - كما سبق ذكره - فإذا كفى ذلك أو ضعف بالمجاهدة ولم يبق في قلبه علاقة شغله بعد ذلك بذكر يلزم قلبه على الدوام ويمنعه من تكثير الأوراد الظاهرة بل يقتصر على الفرائض والرواتب ويكون ورده ورداً واحداً‏.‏

وهو لباب الأوراد وثمرتها أعني ملازمة القلب لذكر الله تعالى بعد الخلو من ذكر غيره ولا يشغله به ما دام قلبه ملتفتاً إلى علائقه‏.‏

قال الشبلي للحصري‏:‏ إن كان يخطر بقلبك من الجمعة التي تأتيني فيها إلى الجمعة الأخرى شيء غير الله تعالى فحرام عليك أن تأتيني وهذا التجرد لا يحصل إلا مع صدق الإرادة واستيلاء حب الله تعالى على القلب حتى يكون في صورة العاشق المستهتر الذي ليس له إلا هم واحد‏.‏

فإذا كان كذلك ألزمه الشيخ زاوية ينفرد بها ويوكل به من يقوم له بقدر يسير من القوت الحلال فإن أصل طريق الدين القوت الحلال وعند ذلك يلقنه ذكراً من الأذكار حتى يشغل به لسانه وقلبه فيجلس ويقول مثلاً‏:‏‏.‏

أو‏:‏ سبحان الله سبحان الله‏.‏

أو ما يراه الشيخ من الكلمات فلا يزال يواظب عليه حتى تسقط حركة اللسان وتكون الكلمة كأنها جارية على اللسان من غير تحريك ثم لا يزال يواظب عليه حتى يسقط الأثر عن اللسان وتبقى صورة اللفظ في القلب ثم لا يزال كذلك حتى يمحى عن القلب حروف اللفظ وصورته وتبقى حقيقة معناه لازمة للقلب حاضرة معه غالبة عليه قد فرغ عن كل ما سواه لأن القلب إذا شغل بشيء خلا عن غيره - أي شيء كان - فإذا اشتغل بذكر الله تعالى وهو المقصود خلا لا محالة عن غيره وعند ذلك يلزمه أن يراقب وساوس القلب والخواطر التي تتعلق بالدنيا وما يتذكر فيه مما قد مضى من أحواله وأحوال غيره فإنه مهما دفع الوساوس كلها ورد النفس إلى هذه الكلمة جاءته الوساوس من هذه الكلمة وأنها‏:‏ ما هي وما معنى قولنا‏:‏ الله ولأي معنى كان إلهاً وكان معبوداً ويعتريه عند ذلك خواطر تفتح عليه باب الفكر وربما يرد عليه من وساوس الشيطان ما هو كفر وبدعة‏.‏

ومهما كان كارهاً لذلك ومتشمراً لإماطته عن القلب لم يضره ذلك‏.‏

وهي منقسمة إلى ما يعلم قطعاً أن الله تعالى منزه عنه ولكن الشيطان يلقي ذلك في قلبه ويجريه على خاطره فشرطه أن يبالي به ويفزع إلى ذكر الله تعالى ويبتهل إليه ليدفعه عنه كما قال الله تعالى ‏"‏ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ‏"‏ وقال تعالى ‏"‏ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ‏"‏ وإلى ما يشك فيه فينبغي أن يعرض ذلك على شيخه بل كل ما يجد في قلبه من الأحوال من فترة أو نشاط أو التفات إلى علقة أو صدق في إرادة فينبغي أن يظهر ذلك لشيخه وأن يستره عن غيره فلا يطلع عليه أحداً ثم إن شيخه ينظر في حاله ويتأمل في ذكائه وكياسته فلو علم أنه لو تركه وأمره بالفكر تنبه من نفسه على حقيقة الحق فينبغي أن يحيله على الفكر ويأمره بملازمته حتى يقذف في قلبه من النور ما يكشف له حقيقته وإن علم أن ذلك مما لا يقوى عليه مثله رده إلى الاعتقاد القاطع بما يحتمله قلبه من وعظ وذلك ودليل قريب من فهمه وينبني أن يتأنق الشيخ

ويتلطف به فإن هذه مهالك الطريق ومواضع أخطارها‏.‏

فكم من مريد اشتغل بالرياضة فغلب عليه خيال فاسد لم يقو على كشفه فانقطع عليه طريقه فاشتغل بالبطالة وسلك طريق الإباحة وذلك هو الهلاك العظيم‏.‏

ومن تجرد للذكر ودفع العلائق الشاغلة عن قلبه لم يخل عن أمثال هذه الأفكار فإنه قد ركب سفينة الخطر فإن سلم كان من ملوك الدين وإن أخطأ كان من الهالكين‏.‏

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ عليكم بدين العجائز وهو تلقي أصل الإيمان وظاهر الاعتقاد بطريق التقليد والاشتغال بأعمال الخير فإن الخطر في العدول عن ذلك كثير‏.‏

ولذلك قيل يجب على الشيخ أن يتفرس في المريد فإن لم يكن ذكياً فطناً متمكناً من اعتقاد الظاهر لم يشغله بالذكر والفكر بل يرده إلى الأعمال الظاهرة والأوراد المتواترة أو يشغله بخدمة المتجردين للفكر لتشمله بركتهم فإن العاجز عن الجهاد في صف القتال ينبغي أن يسقي القوم ويتعهد دوابهم ليحشر يوم القيامة في زمرتهم وتعمه بركتهم وإن كان لا يبلغ درجتهم ثم المريد المتجرد للذكر

والفكر قد يقطعه قواطع كثيرة من العجب والرياء والفرح بما ينكشف له من الأحوال وما يبدو من أوائل الكرامات‏.‏

ومهما التفت إلى شيء من ذلك وشغلت به نفسه كان ذلك فتوراً في طريقه ووقوفاً بل ينبغي أن يلازم حاله جملة عمره ملازمة العطشان الذي لا ترويه البحار ولو أفيضت عليه ويدوم على ذلك ورأس ماله الانقطاع عن الخلق إلى الحق والخلوة‏.‏

قال بعض السياحين‏:‏ قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق كيف الطريق إلى التحقيق فقال أن تكون في الدنيا كأنك عابر طريق‏.‏

وقال مرة‏:‏ قلت له دلني على عمل أجد قلبي فيه مع الله تعالى على الدوام فقال لي‏:‏ لا تنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة قلت‏:‏ لا بد لي من ذلك قال‏:‏ فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة قلت‏:‏ لا بد لي من ذلك قال‏:‏ فلا تعاملهم فإن معاملتهم وحشة قلت‏:‏ أنا بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم قال فلا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة قلت‏:‏ هذه لعلة قال‏:‏ يا هذا أتنظر إلى الغافلين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين وتريد أن تجد قلبك مع الله تعالى على الدوام هذا ما لا يكون أبداً‏.‏

فإذاً منتهى الرياضة أن يجد قلبه مع الله تعالى على الدوام ولا يمكن ذلك غلا بأن يخلو عن غيره ولا يخلوا عن غيره إلا بطول المجاهدة فإذا حصل قلبه مع الله انكشف له جلال الحضرة الربوبية وتجلى له الحق وظهر له من لطائف القواطع عليه أن يتكلم به وعظاً ونصحاً ويتصدى للتذكير فتجد النفس فيه لذة ليس وراءها لذة فتدعوه تلك اللذة إلى أن يتفكر في كيفية إيراد تلك المعاني وتحسين الألفاظ المعبرة عنها وترتيب ذكرها وتزيينها بالحكايات وشواهد القرآن والأخبار وتحسين صنعة الكلام لتميل إليه القلوب والأسماع فربما يخيل إليه الشيطان أن هذا إحياء منك لقلوب الموتى الغافلين عن الله تعالى وإنما أنت واسطة بين الله تعالى وبين الخلق تدعو عباده إليه ومالك فيه نصيب ولا لنفسك فيه لذة ويتضح كيد الشيطان بأن يظهر في أقرانه من يكون أحسن كلاماً منه وأجزل لفظاً وأقدر على استجلاب قلوب العوام فإنه يتحرك في باطنه عقرب الحسد لا محالة إن كان محركه كيد القبول وإن كان محركه هو الحق حرصاً على دعوة عباد الله تعالى إلى صراطه المستقيم فيعظم به فرحه ويقول‏:‏ الحمد لله الذي عضدني وأيدني بمن وازرني على إصلاح عباده‏.‏

كالذي وجب عليه مثلاً أن يحمل ميتاً ليدفنه إذ وجده ضائعاً وتعين عليه ذلك شرعاً فجاء من أعانه عليه فإنه يفرح به ولا يحسد من يعينه والغافلون موتى القلوب والوعاظ هم المنبهون والمحيون لهم ففي كثرتهم استرواح وتناصر فينبغي أن يعظم الفرح بذلك وهذا عزيز على الوجود جداً فينبغي أن يكون المريد على حذر منه فإنه أعظم حبائل الشيطان في قطع الطريق على من انفتحت له أوائل الطريق فإن إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان ولذلك قال الله تعالى ‏"‏ بل تؤثرون الحياة الدنيا ‏"‏ ثم بين أن الشر قديم في الطباع وأن ذلك مذكور في الكتب السالفة فقال ‏"‏ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ‏"‏ فهذا منهاج رياضة المريد وتربيته في التدريج إلى لقاء الله تعالى‏.‏

فأما تفصيل الرياضة في كل صفة فسيأتي فإن أغلب الصفات على الإنسان بطنه وفرجه ولسانه - أعني به الشهوات المتعلقة بها - ثم الغضب الذي هو كالجند لحماية الشهوات ثم مهما أحب الإنسان شهوة البطن والفرج وأنس بهما أحب الدنيا ولم يتمكن منها إلا بالمال والجاه وإذا طلب المال والجاه حدث فيه الكبر والعجب والرياسة وإذا ظهر ذلك لم تسمح نفسه بترك الدنيا رأساً وتمسك من الدين بما فيه الرياسة وغلب عليه الغرور‏.‏

فلهذا وجب علينا بعد تقديم هذين الكتابين أن نستكمل ربع المهلكات بثمانية كتب إن شاء الله تعالى‏:‏ كتاب في كسر شهوة البطن والفرج وكتاب في آفات اللسان وكتاب في كسر الغضب والحقد والحسد وكتاب في ذم الدنيا وتفصيل خدعها وكتاب في كسر حب المال وذم البخل وكتاب في ذم الرياء وحب الجاه وكتاب في ذم الكبر والعجب وكتاب في مواقع الغرور‏.‏

وبذكر هذه المهلكات وتعليم طرق المعالجة فيها يتم غرضنا من ربع المهلكات إن شاء الله تعالى فإن ما ذكرناه في الكتاب الأول هو شرح لصفات القلب الذي هو معدن المهلكات والمنجيات وما ذكرناه في الكتاب الثاني هو إشارة كلية إلى طريق تهذيب الأخلاق ومعالجة أمراض القلب‏.‏

أما تفصيلها فإنه يأتي في هذه الكتب إن شاء الله تعالى‏.‏

تم كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق بحمد الله وعونه وحسن توفيقه يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب كسر الشهوتين والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وعلى كل عبد مصطفى من أهل الأرض والسماء وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب‏.‏

كتاب كسر الشهوتين

وهو الكتاب الثالث من ربع المهلكات

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المنفرد بالجلال في كبريائه وتعاليه المستحق للتحميد والتقديس والتسبيح والتنزيه القائم بالعدل فيما يبرمه ويقضيه المتطول بالفضل فيما ينعم به ويسديه المتكفل بحفظ عبده في جميع موارده ومجاريه المنعم عليه بما يزيد على مهمات مقاصده بل بما يفي بأمانيه فهو الذي يرشده ويهديه وهو الذي يميته ويحييه وإذا مرض فهو يشفيه وإذا ضعف فهو يقويه وهو الذي يوفقه للطاعة ويرتضيه وهو الذي يطعمه ويسقيه ويحفظه من الهلاك ويحميه ويحرسه بالطعام والشراب عما يهلكه ويرديه ويمكنه من القناعة بقليل القوت ويقربه حتى تضيق به مجاري الشيطان الذي يناويه ويكسر به شهوة النفس التي تعاديه فيدفع شرها ثم يعبد ربه ويتقيه هذا بعد أن يوسع عليه ما يلتذ به ويشتهيه ويكثر عليه ما يهيج بواعثه ويؤكد دواعيه كل ذلك يمتحنه به ويبتليه فينظر كيف يؤثره على ما يهواه وينتحيه وكيف يحفظ أوامره وينتهي عن نواهيه ويواظب على طاعته وينزجر عن معاصيه‏.‏

والصلاة على محمد عبده النبيه ورسوله الوجيه صلاة تزلفه وتحظيه وترفع منزلته وتعليه وعلى الأبرار من عترته وأقربيه والأخيار من صحابته وتابعيه‏.‏

أما بعد‏:‏ فأعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن فبها أخرج آدم عليه السلام وحواء من دار القرار إلى دار الذل والافتقار إذ نهيا عن الشجرة فغلبتهما شهواتهما حتى أكلا منها فبدت لهما سوآتهما‏.‏

والبطن على التحقيق ينبوع الشهوات ومنبت الأدواء والآفات إذ يتبعها شهوة الفرج وشدة الشبق إلى المنكوحات ثم تتبع شهوة الطعام والنكاح شدة الرغبة في الجاه والمال اللذين هما وسيلة إلى التوسع في المنكوحات والمطعومات ثم يتبع استكثار المال والجاه أنواع الرعونات وضروب المنافسات والمحاسدات ثم يتولد بينهما آفة الرياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء ثم يتداعى ذلك إلى الحقد والحسد والعداوة والبغضاء ثم يفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء وكل ذلك ثمرة إهمال المعدة وما يتولد منها من بطر الشبع والامتلاء ولو ذلل العبد نفسه بالجوع وضيق به مجاري الشيطان لأذعنت لطاعة الله عز وجل ولم تسلك سبيل البطر والطغيان ولم ينجز به ذلك إلى الانهماك في الدنيا وإيثار العاجلة على العقبى ولم يتكالب كل هذا التكالب على الدنيا وإذا عظمت آفة شهوة البطن إلى هذا الحد وجب شرح غوائلها وآفاتها تحذيراً منها ووجب إيضاح طريق المجاهدة لها والتنبيه على فضلها ترغيباً فيها وكذلك شرح شهوة الفرج فإنها تابعة لها‏.‏

ونحن نوضح ذلك بعون الله تعالى في فصول يجمعها بيان فضيلة الجوع ثم فوائده ثم طريق الرياضة في كسر شهوة البطن بالتقليل من الطعام والتأخير ثم بيان اختلاف حكم الجوع وفضيلته باختلاف أحوال الناس ثم بيان الرياضة في ترك الشهوة ثم القول في شهوة الفرج ثم بيان ما على المريد في ترك التزويج وفعله ثم بيان فضيلة من يخالف شهوة البطن والفرج والعين‏.‏

بيان فضيلة الجوع وذم الشبع

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله وأنه ليس من عمل أحب إلى الله من جوع وعطش وقال ابن عباس‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه وقيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال ‏"‏ من قل مطعمه وضحكه ورضي مما يستر به عورته وقال النبي صلى الله

عليه وسلم ‏"‏ سيد الأعمال الجوع وذل النفس لباس الصوف وقال أبو سعيد الخدري‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ البسوا وكلوا واشربوا في أنصاف البطون فإنه جزء من النبوة وقال

الحسن‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ الفكر نصف العبادة وقلة الطعام هي العبادة وقال الحسن أيضاً‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أفضلكم عند الله منزلة يوم القيامة أطولكم جوعاً وتفكراً في الله سبحانه وأبغضكم عند الله عز وجل يوم القيامة كل نثوم أكول شروب وفي الخبر‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجوع من غير عوز أي مختاراً لذلك وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إن الله تعالى يباهي الملائكة بمن قل مطعمه ومشربه في الدنيا يقول الله تعالى انظروا إلى عبدي ابتليته بالطعام والشراب في الدنيا فصبر وتركهما اشهدوا يا ملائكتي ما من أكلة يدعها إلا أبدلته بها درجات في الجنة وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب فإن القلب كالزرع يموت إذا كثر عليه الماء وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه وإن كان لا بد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرباه وثلث لنفسه وفي حديث أسامة بن زيد وحديث أبي هريرة الطويل ذكر فضيلة الجوع إذ قال فيه ‏"‏ إن أقرب الناس من الله عز وجل يوم القيامة من طال جوعه وعطشه وحزنه في الدنيا الأحفياء الأتقياء الذين إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا تعرفهم بقاع الأرض وتحف بهم ملائكة السماء نعم الناس بالدنيا ونعموا بطاعة الله عز وجل افترش الناس الفرش الوثيرة وافترشوا الجباه والركب ضيع الناس فعل النبيين وأخلاقهم وحفظوها هم تبكي الأرض إذا فقدتهم ويسخط الجبار على كل بلدة ليس فيها منهم أحد لم يتكالبوا على الدنيا تكالب الكلاب على الجيف أكلوا العلق ولبسوا الخرق شعثاً غبراً يراهم الناس فيظنون أن بهم داء وما بهم داء ويقال قد خولطوا فذهبت عقولهم وما ذهبت عقولهم ولكن نظر القوم بقلوبهم

إلى أمر الله الذي أذهب عنهم الدنيا فهم عند أهل الدنيا يمشون بلا عقول عقلوا حين ذهبت عقول الناس لهم الشرف في الآخرة يا أسامة إذا رأيتهم في بلدة فاعلم أنهم أمان لأهل تلك البلدة ولا يعذب الله قوماً هم فيهم‏.‏

الأرض بهم فرحة والجبار عنهم راض‏.‏

اتخذهم لنفسك إخواناً عسى أن تنجو بهم‏.‏

وإن استطعت إن يأتيك الموت وبطنك جائع وكبدك ظمآن فافعل‏.‏

فإنك تدرك بذلك شرف المنازل وتحل مع النبيين‏.‏

وتفرح بقدوم روحك الملائكة ويصلي عليك الجبار روى الحسن بن أبي هريرة‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ البسوا الصوف وشمروا وكلوا في أنصاف البطون تدخلوا في ملكوت السماء وقال عيسى عليه السلام‏:‏ يا معشر الحواريين أجيعوا أكبادكم وأعروا أجسادكم لعل قلوبكم ترى الله عز وجل وروي ذلك أيضاً عن نبينا صلى الله عليه وسلم رواه طاوس‏.‏

وقيل مكتوب في التوراة‏:‏ إن الله ليبغضن الحبر السمين لأن السمين يدل على الغفلة وكثرة الأكل وذلك قبيح خصوصاً بالحبر‏.‏

ولأجل ذلك قال ابن مسعود رضي الله

عنه‏:‏ إن الله تعالى يبغض القارئ السمين وفي خبر مرسل ‏"‏ إن الشيطان لجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش وفي الخبر ‏"‏ إن الأكل على الشيع يورث البرص وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ المؤمن يأكل في معي واحد والمنافق يأكل في سبعة أمعاء أي يأكل سبعة أضعاف ما يأكل المؤمن أو تكون شهوته سبعة أضعاف شهوته وذكر المعي كناية عن الشهوة لأن الشهوة هي التي تقبل الطعام وتأخذه كما يأخذ المعي‏.‏

وليس المعنى زيادة عدد معي المنافق على معي المؤمن‏.‏

وروى الحسن عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ‏"‏ أديموا قرع باب الجنة يفتح لكم ‏"‏ فقلت‏:‏ كيف نديم قرع باب الجنة قال ‏"‏ بالجوع والظمأ وروى ‏"‏ أنا أبا جحيفة تجشأ في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

فقال له ‏"‏ أقصر من جشائك فإن أطول الناس جوعاً يوم القيامة أكثرهم شبعاً في الدنيا وكانت عائشة رضي الله عنها تقول‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تمتلئ قط شبعاً وربما بكيت رحمة مما أرى به من الجوع فأمسى بطنه بيدي وأقول‏:‏ نفسي لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقويك ويمنعك من الجوع فيقول ‏"‏ يا عائشة إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا مضوا على حالهم فقدموا على ربهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم فأجدني أستحي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غداً دونهم فالصبر أياماً يسيرة أحب إلي من أن ينقص حظي غداً في الآخرة وما من شيء أحب إلي من اللحوق بأصحابي وإخواني ‏"‏ قالت عائشة‏:‏ فوالله ما استكمل بعد ذلك جمعة حتى قبضه الله إليه وعن أنس قال‏:‏ جاءت فاطمة رضوان الله عليها بكسرة خبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ‏"‏ ما هذه الكسرة ‏"‏ قالت‏:‏ قرص خبزته ولم تطب نفسي حتى أتيتك منه بهذه الكسرة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ‏"‏ أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام وقال أبو هريرة‏:‏ ما أشبه النبي صلى الله عليه وسلم أهله ثلاثة أيام تباعاً من خبز الحنطة حتى فارق الدنيا وقال صلى الله عليه وآله وسلم ‏"‏ إن أهل الجوع في الدنيا هم أهل الشبع في الآخرة وإن أبغض الناس إلى الله المتخمون الملأى وما ترك عبد أكلة يشتهيها إلا كانت له درجة في الجنة‏.‏

وأما الآثار‏:‏ فقد قال عمر رضي الله عنه‏:‏ إياكم والبطنة فإنها ثقل في الحياة نتن في الممات‏.‏

وقال شقيق البلخي العبادة حرفة حانوتها الخلوة وآلتها المجاعة‏.‏

وقال لقمان لابنه‏:‏ يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة‏.‏

وكان الفضيل بن عياض يقول لنفسه‏:‏ أي شيء تخافين أتخافين أن تجوعي لا تخافي ذلك‏:‏ أنت أهون على الله من ذلك إنما يجوع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏.‏

وكان كهمس يقول إلهي أجعتني وأعريتني وفي ظلم الليالي بلا مصباح أجلستني فبأي وسيلة بلغتني ما بلغتني وكان فتح الموصلي إذا اشتد مرضه وجوعه يقول‏:‏ إلهي ابتليتني بالمرض والجوع وكذلك تفعل بأوليائك فبأي عمل أؤدي شكر ما أنعمت به علي وقال مالك بن دينار‏:‏ قلت لمحمد بن واسع يا أبا عبد الله طوبى لمن كانت له غليلة تقوته وتغنيه عن الناس فقال لي يا أبا يحيى طوبى لمن أمسى وأصبح جائعاً وهو عن الله راض‏.‏

وكان الفضيل بن عياض يقول‏:‏ إلهي أجعتني وأجعت عيالي وتركتني في ظلم الليالي بلا مصباح وإنما تفعل ذلك بأوليائك فبأي منزلة نلت هذا منك وقال يحيى بن معاذ‏:‏ جوع الراغبين منبهة وجوع التائبين تجربة وجوع المجتهدين كرامة وجوع الصابرين سياسة وجوع الزاهدين حكمة‏.‏

وفي التوراة اتق الله وإذا شبعت فاذكر الجياع‏:‏ وقال أبو سليمان‏:‏ لأن أترك لقمة من عشائي أحب إلي من قيام ليلة إلى الصبح وقال أيضاً‏:‏ الجوع عند الله في خزائنه لا يعطيه إلا من أحبه‏.‏

وكان سهل بن عبد الله التستري يطوي نيفاً وعشرين يوماً لا يأكل وكان يكفيه لطعامه في السنة درهم وكان يعظم الجوع ويبالغ فيه حتى قال‏:‏ لا يوافى القيامة عمل بر أفضل من ترك فضول الطعام اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أكله‏.‏

وقال‏:‏ لم ير الأكياس شيئاً أنفع من الجوع للدين والدنيا‏.‏

وقال‏:‏ لا أعلم شيئاً أضر على طلاب الآخرة من الأكل‏.‏

وقال‏:‏ وضعت الحكمة والعلم في الجوع ووضعت المعصية والجهل في الشبع‏.‏

وقال ما عبد الله بشيء أفضل من مخالفة الهوى في ترك الحلال‏.‏

وقد جاء في الحديث ‏"‏ ثلث للطعام فمن زاد عليه فإنما يأكل من حسناته وسئل عن الزيادة فقل‏:‏ لا يجد الزيادة حتى يكون الترك أحب إليه من الأكل ويكون إذا جاع ليلة سأل الله أن يجعلها ليلتين فإذا كان ذلك وجد الزيادة‏.‏

وقال صار الأبدال أبدالاً إلا بإخماص البطون والسهر والصمت والخلوة‏.‏

وقال‏:‏ رأس كل بر نزل من السماء إلى الأرض الجوع ورأس كل فجور بينهما الشبع‏.‏

وقال‏:‏ من جوع نفسه انقطعت عنه الوساوس‏.‏

وقال‏:‏ إقبال الله عز وجل على العبد بالجوع والسقم والبلاء إلا من شاء الله‏.‏

وقال‏:‏ اعلموا أن هذا زمان لا ينال أحد فيه النجاة إلا بذبح نفسه وقتلها بالجوع والسهر والجهد‏.‏

وقال‏:‏ ما مر على وجه الأرض أحد شرب من هذا الماء حتى روي فسلم من المعصية - وإن شكر الله تعالى - فكيف الشبع من الطعام وسئل حكيم بأي قيد أقيد نفسي قال‏:‏ قيدها بالجوع والعطش وذللها بإخمال الذكر وترك العز وصغرها بوضعها تحت أرجل أبناء الآخرة واكسرها بترك زي القراء عن ظاهرها وانج من آفاتها بدوام سوء الظن بها واصحبها بخلاف هواها‏.‏

وكان عبد الواحد بن زيد يقسم بالله تعالى إن الله تعالى ما صافي أحداً إلا بالجوع ولا مشوا على الماء إلا به ولا طويت لهم الأرض إلا بالجوع ولا تولاهم الله تعالى إلا بالجوع وقال أبو طالب المكي‏:‏ مثل البطن مثل المزهر وهو العود المجوف ذو الأوتار - غنما حسن صوته لخفته ورقته لأنه أجوف غير ممتلئ وكذلك الجوف إذا خلا كان أعذب للتلاوة وأدوم للقيام وأقل للمنام‏.‏

وقال أبو بكر بن عبد الله المزني‏:‏ ثلاثة يحبهم الله تعالى رجل قليل النوم قليل الأكل قليل الراحة‏.‏

وروي أن عيسى

عليه السلام مكث يناجي ربه ستين صباحاً لم يأكل فخطر بباله الخبز فانقطع عن المناجاة فإذا رغيف موضوع بين يديه فجلس يبكي على فقد المناجاة وإذا شيخ قد أظله فقال له عيسى‏:‏ بارك الله فيك يا ولي الله ادع الله تعالى فإني كنت في حالة فخطر ببالي الخبز فانقطعت عني فقال الشيخ‏:‏ اللهم إن كنت تعلم أن الخبز خطر ببالي منذ عرفتك فلا تغفر لي بل كان إذا حضر لي شيء أكلته من غير فكر وخاطر‏.‏

وروي أن موسى عليه السلام لما قربه الله عز وجل نجياً كان قد ترك الأكل أربعين يوماً - ثلاثين ثم عشراً - على ما ورد به القرآن لأنه أمسك بغير تبييت يوماً فزيد عشرة لأجل ذلك‏.‏

بيان فوائد الجوع وآفات الشبع

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك ‏"‏ ولعلك تقول‏:‏ هذا الفضل العظيم للجوع أين هو وما سببه وليس فيه إلا إيلام المعدة ومقاساة الأذى‏!‏ فإن كان كذلك فينبغي أن يعظم الأجر في كل ما يتأذى به الإنسان من ضربه لنفسه وقطعه للحمه وتناوله الأشياء المكروهة وما يجري مجراه فاعلم أن هذا يضاهي قول من شرب دواء فانتفع به وظن أن منفعته لكراهة الدواء ومرارته فأخذ يتناول كل ما يكرهه من المذاق وهو غلظ بل نفعه في خاصية في الدواء وليس كونه مراً وإنما يقف على تلك الخاصية الأطباء فكذلك لا يقف على علة نفع الجوع إلا سماسرة العلماء ومن جوع نفسه مصدقاً لما جاء في الشرع من مدح الجوع انتفع به وإن لم يعرف علة المنفعة كما أن من شرب الدواء انتفع به وإن لم يعله وجه كونه نافعاً‏.‏

ولكنا نشرح لك إن أردت أن ترتقي من درجة الإيمان إلى درجة العلم قال الله تعالى ‏"‏ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ‏"‏ فنقول‏:‏ في الجوع عشر فوائد‏.‏

الفائدة الأولى‏:‏ صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة فإن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر البخار في الدماغ شبه السكر حتى يحتوي على معادن الفكر فيثقل القلب بسبب عن الجريان في الأفكار وعن سرعة الإدراك بل الصبي إذا أكثر الأكل بطل حفظه وفسد ذهنه وصار بطيء الفهم والإدراك‏.‏

وقال أبو سليمان الداراني‏:‏ عليك بالجوع فإنه مذلة للنفس ورقة للقلب وهو يورث العلم السماوي‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أحيوا قلوبكم بقلة الضحك وقلة الشبع وطهروها بالجوع تصفو وترق ويقال‏:‏ مثل الجوع مثل الرعد ومثل القناعة مثل السحاب والحكمة كالمطر‏.‏

وقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من أجاع بطنه عظمت فكرته وفطن قلبه وقال ابن عباس‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من شبع ونام قسا قلبه ‏"‏ ثم قال ‏"‏ لكل شيء زكاة وزكاة البدن الجوع وقال الشبلي‏:‏ ما جعت لله يوماً إلا رأيت في قلبي باباً مفتوحاً من الحكمة والعبرة ما رأيته قط‏.‏

وليس يخفى أن غاية المقصود من العبادات الفكر الموصل إلى المعرفة والاستبصار بحقائق الحق والشبع يمنع منع والجوع يفتح بابه والمعرفة باب من أبواب الجنة فبالحرى أن تكون ملازمة الجوع قرعاً لباب الجنة‏.‏

ولهذا قال لقمان لابنه‏:‏ يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة‏.‏

وقال أبو يزيد البسطامي‏:‏ الجوع سحاب فإذا جاع العبد أمطر القلب الحكمة‏.‏

وقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ نور الحكمة الجوع والتباعد من الله عز وجل الشبع والقربة إلى الله عز وجل حب المساكين والدنو منهم‏.‏

لا تشبعوا فتطفئوا نور الحكمة من قلوبكم ومن بات في خفة من الطعام بات الحور حوله حتى يصبح‏.‏

الفائدة الثانية‏:‏ رقة القلب وصفاؤه الذي به يتهيأ لإدراك لذة المثابرة والتأثر بالذكر فكم من ذكر يجري على اللسان مع حضور القلب ولكن القلب لا يلتذ به ولا يتأثر حتى كأن بينه وبينه حجاباً من قسوة القلب وقد يرق في بعض الأحوال فيعظم تأثره بالذكر وتلذذه بالمناجاة وخلو المعدة هو السبب الأظهر فيه وقال أبو سليمان الداراني‏:‏ أحلى ما تكون إلى العبادة إذا التصق ظهري ببطني‏.‏

وقال الجنيد‏:‏ يجعل أحدهم بينه وبين صدره مخلاة من الطعام ويريد أن يجد حلاوة المناجاة‏.‏

وقال أبو سليمان‏:‏ إذا جاع القلب وعطش صبا ورق وإذا شبع عمى وغلط فإذا تأثر القلب بلذة المناجاة أمر وراء تيسير الفكر واقتناص المعرفة على فائدة ثانية‏.‏

الفائدة الثالثة‏:‏ الانكسار والذل وزوال البطر والفرح والأشر الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة عن الله تعالى فلا تنكسر النفس ولا تذل بشيء كما تذل بالجوع فعنده تسكن لربها وتخشع له وتقف على عجزها وذلها إذا ضعفت منتها وضاقت حيلتها بلقيمة طعام فاتتها وأظلمت عليها الدنيا لشربة ماء تأخرت عنها وما لم يشاهد الإنسان ذل نفسه وعجزه لا برى عزة مولاه ولا قهره وإنما سعادته في أن يكون دائماً مشاهداً نفسه بعين الذل والعجز ومولاه بعين العز والقدرة والقهر فليكن دائماً جائعاً مضطراً إلى مولاه مشاهداً للاضطرار بالذوق ولأجل ذلك لما عرضت الدنيا وخزائنها على النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ لا بل أجوع يوماً وأشبع يوماً فإذا جعت صبر وتضرعت وإذا شبعت شكرت أو كما قال ‏"‏ فالبطن والفرج باب من أبواب النار وأصله الشبع‏.‏

والذي والانكسار باب من أبواب الجنة وأصله الجوع‏.‏

ومن أغلق باباً من أبواب النار فقد فتح باباً من أبواب الجنة بالضرورة لأنهما متقابلاً كالمشرق والمغرب فاقرب من أحدهما بعد من الآخر‏.‏

الفائدة الرابعة‏:‏ أن لا ينسى بلاء الله وعذابه ولا ينسى أهل البلاء فإن الشبعان ينسى الجائع وينسى الجوع والعبد الفطن لا يشاهد بلاء من غيره إلا ويتذكر بلاء الآخرة فيذكر من عطشه عطش الخلق في عرصات القيامة ومن جوعه جوع أهل النار حتى إنهم ليجوعون فيطعمون الضريع والزقوم ويسقون الغساق والمهل فلا ينبغي أن يغيب عن العبد عذاب الآخرة وآلامها فإنه هو الذي يهيج الخوف فمن لم يكن في ذلة ولا علة ولا قلة ولا بلاء وأولى ما يقاسيه من البلاء والجوع فإن فيه فوائد جمة سوى تذكر عذاب الآخرة‏.‏

وهذا أحد الأسباب الذي اقتضى اختصاص البلاء بالأنبياء والأولياء والأمثل فالأمثل‏.‏

ولذلك قيل ليوسف عليه السلام‏:‏ لم تجوع وفي يديك خزائن الأرض فقال‏:‏ أخاف أن أشبع فأنسى الجائع‏.‏

فذكر الجائعين والمحتاجين إحدى فوائد الجوع فإن ذلك يدعو إلى الرحمة والإطعام والشفقة على خلق الله عز وجل‏.‏

والشبعان في غفلة عن ألم الجائع‏.‏

الفائدة الخامسة - وهي من أكبر الفوائد -‏:‏ كسر شهوات المعاصي كلها والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء فإن منشأ المعاصي كلها الشهوات والقوى‏.‏

ومادة القوى والشهوات لا محالة الأطعمة فتقليلها يضعف كل شهوة وقوة‏.‏

وإنما السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه والشقاوة في أن تملكه نفسه وكما أنك لا تملك الدابة الجموع إلا بضعف الجوع فإذا شبعت قويت وشردت وجمحت فكذلك النفس‏.‏

كما قيل لبعضهم‏:‏ ما بالك مع كبرك لا تتعهد بدنك وقد انهد فقال‏:‏ لأنه سريع المرح فاحش الأشر فأخاف أن يجمع بي فيورطني فلأن أحمله على الشدائد أحب إلي من أن يحملني على الفواحش‏.‏

وقال ذو النون‏:‏ ما شبعت قط غلا عصيب أو هممت بمعصية‏:‏ وقالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الشبع‏.‏

إن القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم نفوسهم إلى هذه الدنيا وهذه ليست فائدة واحدة بل هي خزائن الفوائد‏.‏

ولذلك قيل‏:‏ الجوع خزانة من خزائن الله تعالى وأقل ما يندفع بالجوع‏:‏ شهوة الفرج وشهوة الكلام فإن الجائع لا يتحرك عليه شهوة فضول الكلام فيتخلص به من آفات اللسان كالغيبة والفحش والكذب والنميمة وغيرها فيمنعه الجوع من كل ذلك وإذا شبع افتقر إلى فاكهة فيتفكه لا محالة بأعراض الناس ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم‏.‏

وأما شهوة الفرج‏:‏ فلا تخفى غائلتها والجوع يكفي شرها‏.‏

وإذا شبع الرجل لم يملك فرجه وإن منعته التقوى فلا يملك عينه فالعين تزني كما أن الفرج يزني فإن ملك عينه بغض الطرف فلا يملك فكره فيخطر له من الأفكار الرديئة وحديث النفس بأسباب الشهوة ما يتشوش به مناجاته وربما عرض له ذلك في أثناء الصلاة‏.‏

وإنما ذكرنا آفة اللسان والفرج مثالاً وإلا فجميع معاصي الأعضاء السبعة سببها القوة الحاصلة بالشبع‏.‏

قال حكيم‏:‏ كل مريد صبر على السياسة فيصبر على الخبز البحت سنة لا يخلط به شيئاً من الشهوات ويأكل في نصف بطنه رفع الله عنه مؤنة النساء‏.‏

الفائدة السادسة‏:‏ دفع النوم ودوام السهر فإن من شبع شرب كثيراً ومن كثر شربه كثر نومه‏.‏

ولأجل ذلك كان بعض الشيوخ يقول عند حضور الطعام‏:‏ معاشر المريدين لا تأكلوا كثيراً فتشربوا كثيراً فترقدوا كثيراً فتخسروا كثيراً‏.‏

وأجمع رأي سبعين صديقاً على أن كثرة النوم من كثرة الشرب‏.‏

وفي كثرة النوم ضياع العمر وفوت التهجد وبلادة الطبع وقساوة القلب والعمر أنفس الجواهر وهو رأس مال العبد فيه يتجر والنوم موت فتكثيره ينقص العمر ثم فضيلة التهجد لا تخفى وفي النوم فواتها‏.‏

ومهما غلب النوم فإن تهجد حلاوة العبادة ثم المتعزب إذا نام على الشبع احتلم ويمنعه ذلك أيضاً من التهجد ويحوجه إلى الغسل إما بالماء البارد فيتأذى به أو يحتاج إلى الحمام وربما لا يقدر عليه بالليل فيفوته الوتر إن كان قد آخره إلى التهجد ثم يحتاج إلى مؤنة الحمام وربما تقع عينه على عورة في دخول الحمام فإن فيه أخطاراً ذكرناها في كتاب الطهارة وكل ذلك أثر الشبع‏.‏

وقد قال أبو سليمان الداراني‏:‏ الاحتلام عقوبة‏.‏

وإنما قال ذلك لأن يمنع من عبادات كثيرة لتعذر الغسل في كل حال‏.‏

فالنوم منبع الآفات والشبع مجلبة له والجوع الفائدة السابعة‏:‏ تيسير المواظبة على العبادة فإن الأكل يمنع من كثرة العبادات لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل وربما يحتاج إلى زمان في شراء الطعام وطبخه ثم يحتاج إلى غسل اليد والخلال ثم يكثر ترداده إلى بيت الماء لكثرة شربه‏.‏

والأوقات المصروفة إلى هذا لو صرفها إلى الذكر والمناجاة وسائر العبادات لكثر ربحه‏.‏

قال السري رأيت مع علي الجرجاني سويقاً يستف منه فقلت‏:‏ ما حملك على هذا قال‏:‏ إني حبست ما بين المضغ إلى الاستفاف سبعين تسبيحة فما مضغت الخبز منذ أربعين سنة‏.‏

فانظر كيف أفق على وقته ولم يضيعه في المضغ‏.‏

وكل نفس من العمر جوهرة نفيسة لا قيمة لها فينبغي أن يستوفى منه خزانة باقية في الآخرة لا آخر لها وذلك بصرفه إلى ذكر الله وطاعته‏.‏

ومن جملة ما يتعذر بكثرة الأكل الدوام على الطهارة وملازمة المسجد فإنه يحتاج إلى الخروج لكثرة شرب الماء وإراقته‏.‏

ومن جملته الصوم فإنه يتيسر لمن تعود الجوع فالصوم ودوام الاعتكاف ودوام الطهارة وصرف أوقات شغله بالأكل وأسبابه إلى العبادة أرباح كثيرة وإنما يستحقرها الغافلون الذين لم يعرفوا قدر الدين لكن رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ‏"‏ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ‏"‏‏.‏

وقد أشار أبو سليمان الداراني إلى ست آفات من الشبع فقال‏:‏ من شبع دخل عليه ست آفات‏:‏ فقد حلاوة المناجاة وتعذر حفظ الحكمة وحرمان الشفقة على الخلق لأنه إذا شبع ظن أن الخلق كلهم شباع وثقل العبادة وزيادة الشهوات وأن سائر المؤمنين يدورون حول المساجد والشباع يدورون حول المزابل‏.‏

الفائدة الثامنة‏:‏ يستفيد من قلة الأكل صحة البدن ودفع الأمراض فإن سببها كثرة الأكل وحصول فضلة الأخلاط في المعدة والعروق‏.‏

ثم المرض يمنع من العبادات ويشوش القلب ويمنع من الذكر والفكر وينغص العيش ويحوج إلى الفصد والحجامة والدواء والطبيب وكل ذلك يحتاج إلى مؤن ونفقات لا يخلو الإنسان منها بعد التعب عن أنواع من المعاصي واقتحام الشهوات وفي الجوع ما يمنع ذلك كله‏.‏

حكي أن الرشيد جمع أربعة أطباء‏:‏ هندي ورومي وعراقي وسوادي‏.‏

وقال ليصف كل واحد منكم الدواء الذي لا داء فيه‏.‏

فقال الهندي‏:‏ الدواء الذي لا داء فيه عندي هو الإهليلج الأسود‏.‏

وقال العراقي‏:‏ هو حب الرشاد الأبيض وقال الرومي هو عندي الماء الحار‏.‏

وقال السوادي - وكان أعلمهم - الإهليلج يعفص المعدة وهذا داء وحب الرشاد يزلق المعدة وهذا داء والماء الحار يرخي المعدة وهذا داء‏.‏

قالوا‏:‏ فما عندك فقال الدواء الذي لا داء معه عندي أن لا تأكل الطعام حتى تشتهيه وأن ترفع يدك عنه وأنت تشتهيه‏.‏

فقالوا‏:‏ صدقت وذكر لبعض الفلاسفة من أطباء أهل الكتاب قول النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس فتعجب منه وقال ما سمعت كلاماً في قلة الطعام أحكم من هذا وإنه لكلام حكيم‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ البطنة أصل لداء والحمية أصل الدواء وعودوا كل جسم ما اعتاد وأظن تعجب الطبيب جرى من هذا الخبر لا من ذاك‏.‏

وقال ابن سالم‏:‏ من أكل خبز الحنطة بحتا بأدب لم يعتل إلا علة الموت‏.‏

قيل‏:‏ وما الأدب قال‏:‏ تأكل بعد الجوع وترفع قبل الشبع‏.‏

وقال بعض أفاضل الأطباء في ذم الاستكثار‏:‏ إن أنفع ما أدخل الرجل بطنه الرمان وأضر ما أدخل معدته المالح ولأن يقلل من المالح خير له من أن يستكثر من الرمان‏.‏

وفي الحديث صوموا تصحوا ففي الصوم والجوع وتقليل الطعام صحة الأجسام وصحة القلوب من سقم الطغيان والبطر وغيرهما‏.‏

الفائدة التاسعة‏:‏ خفة المؤونة فإن من تعود قلة الأكل كفاه من الماء قدر يسير والذي تعود الشبع صار بطنه غريماً ملازماً له آخذاً بمخفته في كل يوم فيقول ماذا تأكل اليوم فيحتاج إلى أن يدخل المداخل فيكتسب من الحرام فيعصي أو من الحلال فيذل‏.‏

وربما يحتاج إلى أن يمد أعين الطمع إلى الناس وهو غاية الذل والقماءة والمؤمن خفيف المؤنة‏.‏

وقال بعض الحكماء‏:‏ إني لأقضي عامة حوائجي بالترك فيكون ذلك أروح لقلبي‏.‏

وقال آخر‏:‏ إذا أردت أن أستقرض من غيري لشهوة أو زيادة استقرضت من نفسي فتركت الشهوة فهي خير غريم لي‏.‏

وكان إبراهيم ابن أدهم رحمه الله يسأل أصحابه عن سعر المأكولات فيقول إنها غالية فيقول‏:‏ أرخصوها بالترك‏.‏

وقال سهل رحمه الله‏:‏ الأكول مذموم في ثلاثة أحوال إن كان من أهل العبادة فيكسل وإن كان مكتسباً فلا يسلم من الآفات وإن كان ممن يدخل عليه شيء فلا ينصف الله تعالى من نفسه‏.‏

وبالجملة سبب هلاك الناس حرصهم على الدنيا وسبب حرصهم على الدنيا البطن والفرج وسبب شهوة الفرج شهوة البطن‏.‏

وفي تقليل الأكل ما يحسم هذه الأحوال كلها وهي أبواب النار وفي حسمها فتح أبواب الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أديموا قرع باب الجنة بالجوع ‏"‏ فمن قنع برغيف في كل يوم قنع في سائر الشهوات أيضاً وصار حراً واستغنى عن الناس واستراح من التعب وتخلى لعبادة الله عز وجل وتجارة الآخرة فيكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإنما لا تلهيهم لاستغنائهم عنها بالقناعة وأما المحتاج فتلهيه لا محالة‏.‏

الفائدة العاشرة‏:‏ أن يتمكن من الإيثار والتصدق بما فضل من الأطعمة على اليتامى والمساكين فيكون يوم القيامة في ظل صدقته كما ورد به الخبر‏:‏ فما يأكله كان خزانته الكنيف وما يتصدق به كان خزانته فضل الله تعالى فليس للعبد من ماله إلا ما تصدق فأبقى أو اكل فأفني أو لبس فأبلى فالتصدق بفضلات الطعام أولى من التخمة والشبع‏.‏

وكان الحسن رحمة الله عليه إذا تلا قوله تعالى ‏"‏ إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا ‏"‏ قال عرضها على السموات السبع الطباق والطرائق التي زينها بالنجوم وحملة العرش العظيم فقال لها سبحانه وتعالى‏:‏ هل تحملين الأمانة بما فيها قالت‏:‏ وما فيها قال‏:‏ إن أحسنت جوزيت وإن أسأت عوقبت فقالت‏:‏ لا ثم عرضها على الإنسان فحملها إنه كان ظلوماً لنفسه جهولاً بأمر ربه‏.‏

فقد رأيناهم والله اشتروا الأمانة بأموالهم فأصابوا آلافاً فماذا صنعوا فيها وسعوا بها دورهم وضيقوا بها قبورهم وأسمنوا براذينهم وأهزلوا دينهم وأتعبوا أنفسهم بالغدو والرواح إلى باب السلطان يتعرضوا للبلاء وهم من الله في عافية يقول أحدهم تبيعني أرض كذا وكذا وأزيدك كذا وكذا يتكئ على شماله ويأكل من غير ماله حديثه سخرة وماله حرام حتى إذا أخذته الكظة ونزلت به البطنة قال‏:‏ يا غلام ائتني بشيء أهضم به طعامي يالكع أطعامك تهضم إنما تهضم دينك أين الفقير أين الأرملة أين المسكين أين اليتيم الذي أمرك الله تعالى بهم فهذه إشارة إلى هذه الفائدة وهو صرف فاضل الطعام إلى الفقير ليدخر به الأجر فذلك خير له من أن يأكله حتى يتضاعف الوزر عليه‏.‏

ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل سمين البطن فأومأ إلى بطنه بإصبعه وقال‏:‏ والله لقد أدركت أقواماً كان الرجل منهم يمسي وعنده من الطعام ما يكفيه ولو شاء لأكله فيقول‏:‏ والله لا أجعل فهذه عشرة فوائد للجوع يتشعب من كل فائدة فوائد لا ينحصر عددها ولا تتناهى فوائدها فالجوع خزانة عظيمة لفوائد الآخرة‏.‏

ولأجل هذا قال بعض السلف‏:‏ الجوع مفتاح الآخرة وباب الزهد والشبع مفتاح الدنيا وباب الرغبة‏.‏

بل ذلك صريح في الأخبار التي رويناها بالوقوف على تفصيل هذه الفوائد تدرك معاني تلك الأخبار إدراك علم وبصيرة‏.‏

فإذا لم تعرف هذا وصدقت بفضل الجوع كانت لك رتبه المقلدين في الإيمان والله أعلم بالصواب‏.‏

بيان طريق الرياضة في كسر شهوة البطن

اعلم أن على المريد في بطنه ومأكوله أربع وظائف‏:‏ الأول أن يأكل إلا حلالاً فإن العبادة مع أكل الحرام كالبناء على أمواج البحار‏.‏

وقد ذكرنا ما تجب مراعاته من درجات الورع في كتاب الحلال والحرام وتبقى ثلاث وظائف خاصة بالأكل وهو تقدير قدر الطعام في القلة والكثرة وتقدير وقته في الإبطاء والسرعة وتعيين الجنس المأكول في تناول المشتهيات وتركها‏.‏

أما الوظيفة الأولى‏:‏ في تقليل الطعام فسبيل الرياضة فيه التدريج‏.‏

فمن اعتاد الأكل الكثير وانتقل دفعة واحدة إلى القليل لم يحتمله مزاجه وضعف وعظمت مشقته فينبغي أن يتدرج إليه قليلاً قليلاً وذلك بأن ينقص قليلاً قليلاً من طعامه المعتاد‏.‏

فإن كان يأكل رغيفين مثلاً وأراد أن يرد نفسه إلى رغيف واحد فينقص كل يوم ربع سبع رغيف وهو أن ينقص جزءاً من ثمانية وعشرين جزءاً أو جزءاً من ثلاثين جزءاً فيرجع إلى رغيف في شهر ولا يستضر به ولا يظهر ثره فإن شاء فعل في ذلك بالوزن وإن شاء بالمشاهدة فيترك كل يوم مقدار قلمة وينقصه عما أكله بالأمس‏.‏

ثم هذا فيه أربع درجات‏.‏

أقصاها‏:‏ أن يرد نفسه إلى قدر القوام الذي لا يبقى دونه وهو عادة الصديقين‏.‏

وهو اختيار سهل التستري رحمة الله عليه إذ قال‏:‏ إن الله استعبد الخلق بثلاث بالحياة والعقل والقوة‏.‏

فإن خاف العبد على اثنين منها وهي الحياة والعقل أكل وأفطر إن كان صائماً‏.‏

وتكلف الطلب إن كان فقيراً‏.‏

وإن لم يخف عليهما بل على القوة قال فينبغي أن لا يبالي‏.‏

ولو ضعف حتى صلى قاعداً وأرى أن صلاته قاعداً مع ضعف الجوع أفضل من صلاته قائماً مع كثرة الأكل‏.‏

وسئل سهل عن بدايته وما كان يقتات به فقال‏.‏

كان قوتي في كل سنة ثلاثة دراهم كنت آخذ بدرهم دبساً وبدرهم دقيق الأرز وبدرهم سمناً‏.‏

وأخلط الجميع وأسوي منه ثلثمائة وستين أكرة آخذ في كل ليلة أكرة أفطر عليها فقيل له‏:‏ فالساعة كيف تأكل قال‏:‏ بغير حد ولا توقيت‏:‏ ويحكى عن الوهابين أنهم قد يردون أنفسهم إلى مقدار دره من الطعام‏.‏

الدرجة الثانية‏:‏ أن يرد نفسه بالرياضة في اليوم والليلة إلى نصف مد وهو رغيف وشيء مما يكون الأربعة منه منا ويشبه أن يكون هذا مقدار ثلث البطن في حق الأكثرين - كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم - وهو فوق اللقيمات لأن هذه الصيغة في الجمع للقلة فهو لما دون العشرة وقد كان ذلك عادة عمر رضي الله عنه إذ كان يأكل سبع لقم أو تسع لقم‏.‏

الدرجة الثالثة‏:‏ أن يردها إلى مقدار المد وهو رغيفان ونصف وهذا يزيد على ثلث البطن في حق الأكثرين ويكاد ينتهي إلى ثلثي البطن ويبقى ثلث للشراب ولا يبقى شيء للذكر‏.‏

وفي بعض الألفاظ ‏"‏ ثلث للذكر ‏"‏ بدل قوله ‏"‏ للنفس ‏"‏‏.‏

الدرجة الرابعة‏:‏ أن يزيد على المد إلى المن ويشبه أن يكون ما وراء المن إسرافاً مخالفاً لقوله تعالى ‏"‏ ولا تسرفوا ‏"‏ أعني في حق الأكثرين فإن مقدار الحاجة إلى الطعام يختلف بالسن والشخص والعمل الذي يشتغل به‏.‏

وههنا طريق خامس لا تقدير فيه ولكنه موضع غلط وهو أن يأكل إذا صدق جوعه ويقبض يده وهو على شهوة صادقة بعد ولكن الأغلب أن من لم يقدر لنفسه رغيفاً أو رغيفين فلا يتبين له حد الجوع الصادق ويشتبه عليه ذلك بالشهوة الكاذبة‏.‏

وقد ذكر للجوع الصادق علامات إحداها‏:‏ أن لا تطلب النفس الأدم بل تأكل الخبز وحده بشهوة - أي خبز كان - فمهما طلبت نفسه خبزاً بعينه أو طلبت أدماً فليس ذلك بالجوع الصادق‏.‏

وقد قيل‏:‏ من علامته أن يبصق فلا يقع الذباب عليه أي لم يبق فيه دهنية ولا دسومة فيدل ذلك على خلو المعدة ومعرفة ذلك غامض فالصواب للمريد أن يقدر مع نفسه القدر لذي لا يضعفه عن العبادة التي هو بصددها فإذا انتهى إليه وقف وإن بقيت شهوته‏.‏

وعلى الجملة‏:‏ فتقدير الطعام لا يمكن لأنه يختلف بالأحوال والأشخاص‏.‏

نعم قد كان قوت

جماعة من الصحابة صاعاً من حنطة في كل جمعة فإذا أكلوا التمر اقتاتوا منه صاعاً ونصفاً وصاع الحنطة أربع أمداد فيكون كل كل يوم قريباً من نصف مد - وهو ما ذكرناه أنه قدر ثلث البطن - واحتيج في التمر إلى زيادة لسقوط النوى منه‏.‏

وقد كان أبو ذر رضي الله عنه يقول‏:‏ طعامي في كل جمعة صاع من شعير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لا أزيد عليه شيئاً حتى ألقاه فإني سمعته يقول ‏"‏ أقربكم مني مجلساً يوم القيامة وأحبكم إلي من مات على ما هو عليه اليوم وكان يقول - في إنكاره على بعض الصحابة‏:‏ قد غيرتم ينخل لكم الشعير ولم يكن ينخل وخبزتم المرقق وجمعتم بين إدامين واختلف عليكم بألوان الطعام وغدا أحدكم في ثوب وراح في آخر‏.‏

ولم يكونوا هكذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قوت أهل الصفة مداً من تمر بين اثنين في كل يوم والمد رطل وثلث ويسقط منه النوى‏.‏

وكان الحسن رحمة الله عليه يقول المؤمن مثل العنيزة يكفيه الكف من الحشف والقبضة من السويق والجرعة من الماء والمنافق مثل السبع الضاري بلعاً بلعاً وسرطاً سرطاً لا يطوي بطنه لجاره ولا يؤثر أخاه بفضله وجهوا هذه الفضول أمامكم‏.‏

وقال سهل لو كانت الدنيا دماً عبيطاً لكان قوت المؤمن منها حلالاً لأن أكل المؤمن عند الضرورة بقدر القوام فقط‏.‏

الوظيفة الثانية‏:‏ في وقت الأكل ومقدار تأخيره وفيه أيضاً أربع درجات‏:‏ الدرجة العليا‏:‏ أن يطوى ثلاثة أيام فما فوقها وفي المريدين من رد الرياضة إلى الطي لا إلى المقدار حتى انتهى بعضهم إلى ثلاثين يوماً وأربعين يوماً وانتهى إليه جماعة من العلماء يكثر عددهم منهم‏:‏ محمد بن عمرو المقرني وعبد الرحمن بن إبراهيم ورحيم وإبراهيم التيمي وحجاج بن فرافصة وحفص العابد المصيصي والمسلم بن سعيد وزهير وسليمان الخواص وسهل بن عبد الله التستري وإبراهيم بن أحمد الخواص وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يطوي ستة أيام وكان عبد الله بن الزبير يطوي سبعة أيام وكان أبو الجوزاء صاحب ابن عباس يطوي سبعاً‏.‏

وروي أن الثوى وإبراهيم بن أدهم كانا يطويان ثلاثاً ثلاثاً كل ذلك كانوا يستعينون بالجوع على طريق الآخرة‏.‏

قال بعض العلماء من طوى لله أربعين يوماً ظهرت له قدرة من الملكوت أي كوشف ببعض الأسرار الإلهية‏.‏

وقد حكي أن بعض أهل هذه الطائفة مر براهب فذاكره بحاله وطمع في إسلامه وترك ما هو عليه من الغرور فكلمه في ذلك كلامً كثيراً إلى أن قال له الراهب‏:‏ إن المسيح كان يطوي أربعين يوماً وإن ذلك معجزة لا تكون إلا لنبي أو صديق فقال له الصوفي‏:‏ فإن طويت خمسين يوماً تترك ما أنت عليه وتدخل في دين الإسلام وتعلم أنه حق وأنلك على باطل قال نعم فجلس لا يبرح إلا حيث يراه حتى طوى خمسين يوماً ثم قال وأزيدك أيضاً فطوى إلى تمام الستين فتعجب الراهب منه وقال ما كنت أظن أن أحداً يجاوز المسيح فكان ذلك سبب إسلامه‏.‏

وهذه درجة عظيمة قل من يبلغها إلا مكاشف محمول بمشاهدة ما قطعه عن طبعه عن طبعه وعادته استوفى نفسه في لذته وأنساه جوعته وحاجته‏.‏

الدرجة الثانية‏:‏ أن يطوى يومين إلى ثلاثة وليس ذلك خارجاً عن العادة بل هو قريب يمكن الوصول إليه بالجد والمجاهدة‏.‏

الدرجة الثالثة‏:‏ وهي أدناها أن يقتصر في اليوم والليلة على أكلة واحدة وهذا هو الأقل وما جاوز ذلك إسراف ومداومة للشبع حتى لا يكون له حالة جوع وذلك فعل المترفين وهو بعيد من السنة فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تغدى لم يتعش وإذا تعشى لم يتغد وكان السلف يأكلون في كل يوم أكلة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة ‏"‏ إياك والسرف فإن أكلتين في يوم من السرف وأكلة واحدة في كل يومين ومن اقتصر في اليوم على أكلة واحدة فيستحب له أن يأكلها سحراً قبل طلوع الفجر فيكون أكله بعد التهجد وقبل الصبح فيحصل له جوع النهار للصيام وجوع الليل للقيام وخلو القلب لفراغ المعدة ورقة الفكر واجتماع الهم وسكون النفس إلى المعلوم فلا تنازعه قبل وقته‏.‏

وفي حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامكم هذا قط وإن كان ليقوم حتى تورم قدماه وما واصل وصالكم هذا قط غير أنه قد أخر الفطر إلى السحر وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل إلى السحر فإن كان يلتفت قلب الصائم بعد المغرب إلى الطعام وكان ذلك يشغله عن حضور القلب في التهجد فالأولى أن يقسم طعامه نصفين فإن كان رغيفين مثلاً أكل رغيفاً عند الفطر ورغيفاً عند السحر لتسكن نفسه ويخف بدنه عند التهجد ولا يشتد بالنهار جوعه لأجل التسحر فيستعين بالرغيف الأول على التهجد وبالثاني على الصوم‏.‏

ومن كان يصوم يوماً ويفطر يوماً فلا بأس أن يأكل كل يوم فطره وقت الظهر ويوم صومه وقت السحر فهذه الطرق في مواقيت الأكل وتباعده وتقاربه‏.‏

الوظيفة الثالثة‏:‏ في نوع الطعام وترك الإدام وأعلى الطعام مخ البر فإن نخل فهو غاية الترفه وأوسطه شعير منخول وأدناه شعير لم ينخل‏.‏

وأعلى الأدم اللحم والحلاوة وأدناه الملح والخل

وأوسطه المزورات بالأدهان من غير لحم‏.‏

وعادة سالكي طريق الآخرة الامتناع من الإدام على الدوام بل الامتناع عن الشهوات فإن كل لذيذ يشتهيه الإنسان وأكله اقتضى ذلك بطراً في نفسه وقسوة في قلبه وأنساً له بلذات الدنيا حتى يألفها ويكره الموت ولقاء الله تعالى وتصير الدنيا جنة في حقه ويكون الموت سجناً له‏.‏

وإذا منع نفسه عن شهواتها وضيق عليها وحرمها لذاتها صارت الدنيا سجناً عليه ومضيقاً له فاشتهت نفسه الإفلات منها فيكون الموت إطلاقها‏.‏

وإليه الإشارة بقول يحيى ابن معاذ حيث قال‏:‏ معاشر الصديقين جوعوا أنفسكم لوليمة الفردوس فإن شهوة الطعام على قدر تجويع النفس‏.‏

فكل ما ذكرناه من آفات الشبع فإنه يجري في كل الشهوات وتناول اللذات فلا نطول بإعادته فلذلك يعظم الثواب في ترك الشهوات من المباحات ويعظم الخطر في تناولها حتى قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ شرار أمتي الذين يأكلون مخ الحنطة وهذا ليس بتحريم بل هو مباح على معنى أن من أكله مرة أو مرتين لم يعص ومن دام عليه أيضاً فلا يعصي بتناوله ولكن تتربى نفسه بالنعيم فتأنس بالدنيا وتألف اللذات وتسعى في طلبها فيجرها ذلك إلى المعاصي فهم شرار الأمة لأن مخ الحنطة يقودهم إلى اقتحام أمور تلك الأمور معاص‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم ونبتت عليه أجسامهم وإنما همتهم ألوان الطعام وأنواع اللباس ويتشدقون في الكلام‏.‏

وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام اذكر أنك ساكن القبر فإن ذلك يمنعك من كثير الشهوات‏.‏

وقد اشتد خوف السلف من تناول لذيذ الأطعمة وتمرين النفس عليها ورأوا أن ذلك علامة الشقاوة ورأوا منع الله تعالى منه غاية السعادة حتى روى أن وهب بن منبه قال‏:‏ التقى ملكان في السماء الرابعة فقال أحدهما للآخر‏:‏ من أين قال‏:‏ أمرت بسوق حوت من البحر اشتهاه فلان اليهودي لعنه

الله وقال الآخر‏:‏ أمرت بإهراق زيت اشتهاه فلان العابد‏.‏

فهذا تنبيه على أن تيسير أسباب الشهوات ليس من علامات الخير‏.‏

ولهذا امتنع عمر رضي الله عنه عن شربة ماء بارد بعسل وقال‏:‏ اعزلوا عني حسابها‏.‏

فلا عبادة لله تعالى أعظم من مخالفة النفس في الشهوات وترك اللذات - كما أوردناه في كتاب رياضة النفس - وقد روى نافع أبن ابن عمر رضي عنهما كان مريضاً فاشتهى سمكة طرية فالتمست له بالمدينة فلم توجد ثم وجدت بعد كذا وكذا فاشتريت له بدرهم ونصف فشويت وحملت إليه على رغيف فقام سائل على الباب فقال للغلام‏:‏ لفها برغيفها وادفعها له فقال له الغلام‏:‏ أصلحك الله قد اشتهيتها منذ كذا وكذا فلم نجدها فلما وجدتها اشتريتها بدرهم ونصف فنحن نعطيه ثمنها فقال‏:‏ لفها وادفعها إليه ثم قال الغلام للسائل‏:‏ هل لك أن تأخذ درهماً وتتركها قال‏:‏ نعم فأعطاه درهماً وأخذها وأتى بها فوضعها بين يديه وقال‏:‏ قد أعطيته درهماً وأخذتها منه فقال‏:‏ لفها وادفعها إليه ولا تأخذ منه الدرهم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏ أيما امرئ اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر بها على نفسه غفر الله له وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إذا سددت كلب الجوع برغيف وكوز من الماء القراح فعلى الدنيا وأهلها الدمار أشار إلى أن المقصود رد ألم الجوع والعطش ودفع ضررهما دون التنعم بلذات الدنيا وبلغ عمر رضي الله عنه أن يزيد بن أبي سفيان يأكل أنواع الطعام فقال عمر لمولى له‏:‏ إذا علمت أنه قد حضر عشاؤه فأعلمني فأعمله فدخل عليه فقرب عشاؤه فأتوه بثريد لحم فأكل معه عمر ثم قرب الشواء وبسط يزيد يده وكف عمر يده وقال‏:‏ يا يزيد بن أبي سفيان أطعام بعد طعام والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقهم‏.‏

وعن يسار بن عمير قال‏:‏ ما نخلت لعمر دقيقاً قط إلا وأنا له عاص‏.‏

وروي أن عتبة الغلام كان يعجن دقيقه ويجففه في الشمس ثم يأكله ويقول كسرة وملح حتى يتهيأ في الآخرة الشواء والطعام الطيب‏.‏

وكان يأخذ الكوز فيغرف به من جب كان في الشمس نهاره فتقول مولاة له‏:‏ يا عتبة لو أعطيتني دقيقك فخبزته لك وبردت لك الماء فيقول لها‏:‏ يا أم فلان قد شردت عني كلب الجوع‏.‏

قال شقيق ابن إبراهيم‏:‏ لقيت إبراهيم بن أدهم بمكة في سوق الليل - عند مولد النبي صلى الله عليه وسلم - يبكى وهو جالس بناحية من الطريق فعدلت إليه وقعدت عنده وقلت‏:‏ إيش هذا البكاء يا أبا إسحق فقال‏:‏ خير فعاودته مرة واثنتين وثلاثاً فقال‏:‏ يا شقيق استر علي فقلت يا أخي قل ما شئت فقال لي‏:‏ اشتهت نفسي منذ ثلاثين سنة سكباجاً فمنعتها جهدي حتى إذا كان البارحة كنت جالساً وقد غلبني النعاس إذ أنا بفتى شاب بيده قدح أخضر يعلو منه بخار ورائحة سكباج قال‏:‏ فاجتمعت بهمتي عنه فقربه وقال‏:‏ يا إبراهيم كل فقلت‏:‏ ما آكل قد تركته لله عز وجل فقال لي‏:‏ قد أطعمك الله كل فما كان لي جواب إلا أني بكيت فقال لي‏:‏ كل رحمك الله فقلت‏:‏ قد أمرنا أن لا نطرح في وعائنا إلا من حيث نعلم فقال‏:‏ كل عافاك الله فإنما أعطيته فقيل لي يا خضر اذهب بهذا وأطعمه نفس إبراهيم بن أدهم فقد رحمها الله من طول صبرها على ما يحملها من منعها‏.‏

اعلم يا إبراهيم أني سمعت الملائكة يقولون‏:‏ من أعطى فلم يأخذ طلب فلم يعط فقلت‏:‏ إن كان كذلك فها أنا بين يديك لأجل العقد مع الله تعالى ثم التفت فإذا أنا بفتى آخر ناوله شيئاً وقال‏:‏ يا خضر لقمه أنت فلم يزل يلقمني حتى نعست فانتبهت وحلاوته في فمي قال شقيق‏:‏ فقلت أرني كفك فأخذت بكفه فقبلتها وقلت‏:‏ يا من يطعم الجياع الشهوات إذا صححوا المنع يا من يقدح في الضمير اليقين يا من يشفى قلوبهم من محبته أترى لشقيق عندك حالاً ثم رفعت يد إبراهيم إلى السماء وقلت‏:‏ بقدر هذا الكف عندك وبقدر صاحبه وبالجود الذي وجد منك جد على عبدك الفقير إلى فضلك وإحسانك وروي عن مالك بن دينار أنه بقي أربعين سنة يشتهي لبناً فلم يأكله‏.‏

وأهدى إليه يوماً رطب فقال لأصحابه‏:‏ كلوا فما ذقته منذ أربعين سنة‏.‏

وقال أحمد بن أبي الحواري‏:‏ اشتهى أبو سليمان الداراني رغيفاً حاراً بملح فجئت به إليه فعض منه عضة ثم طرحه وأقبل يبكي وقال‏:‏ عجلت إلى شهوتي بعد إطالة جهدي واشقوتي قد عزمت على التوبة فأقلني‏!‏ قال أحمد‏:‏ فما رأيته أكل الملح حتى لقي الله تعالى‏.‏

وقال مالك بن ضيغم مررت بالبصرة في السوق فنظرت إلى البقل فقالت لي نفسي‏:‏ لو أطعمتني الليلة من هذا فأقسمت أن لا أطعمها إياه أربعين ليلة ومكث مالك بن دينار بالبصرة خمسين سنة ما أكل رطبة لأهل البصرة ولا بسرة قط وقال‏:‏ يا أهل البصرة عشت فيكم خمسين سنة ما أكلت لكم رطبة ولا بسرة فما زاد فيكم ما نقص مني ولا نقص مني ما زاد فيكم‏.‏

وقال‏:‏ طلقت الدنيا منذ خمسين سنة اشتهت نفسي لبناً منذ أربعين سنة فوالله لا أطعمها حتى ألحق بالله تعالى‏.‏

وقال حماد بن أبي حنيفة‏:‏ أتيت داود الطائي والباب مغلق عليه فسمعته يقول‏:‏ نفسي اشتهيت جزراً فأطعمتك جزراً ثم اشتهيت تمراً فآليت أن لا تأكليه أبداً فسلمت ودخلت فإذا وحده‏.‏

ومر أبو حازم يوماً في السوق فرأى الفاكهة فاشتراها فقال لابنه‏.‏

اشتر لنا من هذه الفاكهة المقطوعة الممنوعة لعلنا نذهب إلى الفاكهة التي لا مقطوعة ولا ممنوعة فلما اشتراها وأتى بها إليه قال لنفسه‏:‏ قد خدعتيني حتى نظرت واشتهيت وغلبتيني حتى اشتريت والله لأذيقنه فبعث بها إلى يتامى من الفقراء وعن موسى الأشج أنه قال‏:‏ نفسي تتشتهي ملحاً جريشاً منذ عشرين سنة‏.‏

وأحمد بن خليفة قال‏:‏ نفسي تشتهي منذ عشرين سنة ما طلبت مني إلا الماء حتى تروى فما أرويتها‏.‏

وروي أي عتبة الغلام اشتهى لحماً سبع سنين فلما كان بعد ذلك قال استحييت من نفسي أن أدافعها منذ سبع سنين - سنة بعد سنة - فاشتريت قطعة لحم على خبز وشويتها وتركتها على رغيف فلقيت صباً فقلت ألست أنت ابن فلان وقد مات أبوك قال‏:‏ بلى‏.‏

فناولته إياها قالوا‏:‏ وأقبل يبكي ويقرأ ‏"‏ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا ‏"‏ ثم لم يذقه بعد ذلك‏.‏

ومكث يشتهي تمراً سنين فلما كان ذات يوم اشترى تمراً بقيراط ورفعه إلى الليل ليفطر عليه قال‏:‏ فهبت ريح شديدة حتى أظلمت الدنيا ففزع الناس فأقبل عتبة على نفسه يقول‏:‏ هذا لجراءتي عليك وشرائي التمر بقيراط ثم قال لنفسه‏:‏ ما أظن أخذ الناس إلا بذنبك على أن لا تذوقيه‏.‏

واشترى داود الطائي بنصف فلس بقلاً وبفلس خلاً وأقبل ليلته كلها يقول لنفسه‏.‏

ويلك يا داود ما أطول حسابك يوم القيامة ثم لم يأكل بعده إلا قفاراً وقال عتبة الغلام يوماً لعبد الواحد بن زيد‏.‏

إن فلاناً يصف من نفسه منزلة ما أعرفها من نفسي فقال‏:‏ لأنك تأكل مع خبزك تمراً وهو لا يزيد على الخبز شيئاً قال‏:‏ فإن أنا تركت أكل التمر عرفت تلك المنزلة قال‏:‏ نعم وغيرها فأخذ يبكي فقال له بعض أصحابه لا أبكى الله عينك أعلى التمر تبكي فقال عبد الواحد دعه فإن نفسه قد عرفت صدق عزمه في الترك وهو إذا ترك شيئاً لم يعاوده‏.‏

وقال جعفر بن نصر‏:‏ أمرني الجنيد أن أشتري له التين الوزيري فلما اشتريته أخذ واحدة عند الفطور فوضعها في فمه ثم ألقاها وجعل يبكي ثم قال‏:‏ احمله فقلت له في ذلك فقال‏:‏ هتف بي هاتف أما تستحي تركته من أجلي ثم تعود إليه‏!‏ وقال صالح المري‏:‏ قلت لعطاء السلمي إني متكلف لك شيئاً فلا ترد على كرامتي فقال‏:‏ افعل ما تريد قال‏:‏ فبعثت إليه مع ابني شربة من سويق قد لتته بسمن وعسل فقلت‏:‏ لا تبرح حتى يشربها فلما كان من الغد جعله له نحوها فردها ولم يشربها فعاتبته ولمته على ذلك وقلت‏.‏

سبحان الله رددت على كرامتي‏!‏ فلما رأى وجدي لذلك قال‏:‏ لا يسوءك هذا إني قد شربتها أول مرة وقد راودت نفسي في المرة الثانية على شربها فلم أقدر على ذلك كلما أردت ذلك ذكرت قوله تعالى ‏"‏ يتجرعه ولا يكاد يسيغه ‏"‏ الآية قال صالح‏:‏ فبكيت وقلت في نفسي‏:‏ أنا في واد وأنت في واد آخر‏.‏

وقال السري السقطي‏:‏ نفسي منذ ثلاثين سنة تطالبني أن أمس جزرة في دبس فما أطعمتها‏.‏

وقال أبو بكر الجلاء‏.‏

أعرف رجلاً تقول له نفسه أنا أصبر لك على طي عشرة أيام وأطعمني بعد ذلك شهوة أشتهيها فيقول لها‏:‏ لا أريد أن تطوى عشرة أيام ولكن اتركي هذه الشهوة‏.‏

وروي أن عابداً دعا بعض إخوانه فقرب إليه رغفاناً فجعل أخوه يقلب الأرغفة ليختار أجودها فقال له العابد‏.‏

مه أي شيء تصنع‏!‏ أما علمت أن في الرغيف الذي رغبت عنه كذا وكذا حكمة وعمل فيه كذا وكذا صانعاً حتى استدار من السحاب الذي يحمل الماء والماء الذي يسقي الأرض والرياح والأرض والبهائم وبني آدم حتى صار إليك ثم أنت بعد هذا تقلبه ولا ترضى به‏.‏

وفي الخبر ‏"‏ لا يستدير الرغيف ويوضع بين يديك حتى يعمل في ثلثمائة وستون صانعاً أولهم ميكائيل عليه السلام الذي يكيل الماء من خزائن الرحمة ثم الملائكة التي تزجي السحاب والشمس والقمر والأفلاك وملائكة الهواء ودواب الأرض وآخرهم الخباز ‏"‏ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وقال بعضهم‏:‏ أتيت قاسماً الجرعي فسألته عن الزهد أي شيء هو فقال‏:‏ أي شيء سمعت فيه فعددت أقوالاً فسكت فقلت‏:‏ وأي شيء تقول أنت فقال‏:‏ اعلم أن البطن دنيا العبد فبقدر ما يملك من بطنه يملك من الزهد وبقدر ما يملكه بطنه تملكه الدنيا وكان بشر بن الحرث قد اعتل مرة فأتى عبد الرحمن الطبيب يسأله عن شيء يوافقه من المأكولات فقال‏:‏ تسألني فإذا وصفت لك لم تقبل مني صف لي حتى أسمع قال‏:‏ تشرب سكنجبيناً وتمص سفرجلاً وتأكل بعد ذلك اسفيذباجا فقال له بشر‏:‏ هل تعلم شيئاً اقل من السكنجبين يقوم مقامه قال‏:‏ لا قال‏:‏ أنا أعرف قال‏:‏ ما هو قال‏:‏ الهندبا بالخل ثم قال‏:‏ أتعرف شيئاً اقل من السفرجل يقوم مقامه قال‏:‏ لا قال أنا أعرف قال‏:‏ ما هو قال‏:‏ الخرنوب الشامي قال‏:‏ فتعرف شيئاً أقل من الاسفيذباج يقوم مقامه قال‏:‏ لا قال‏:‏ أنا أعرف ماء الحمص بسمن البقر في معناه فقال له عبد الرحمن‏:‏ أنت أعلم مني بالطب فلم تسألني

فقد عرفت بهذا أن هؤلاء امتنعوا من الشهوات ومن الشبع من الأقوات وكان امتناعهم للفوائد التي ذكرناها وفي بعض الأوقات لأنهم كانوا لا يصفو لهم الحلال فلم يرخصوا لأنفسهم إلا في قدر الضرورة والشهوات ليست من الضرورات حتى قال أبو سليمان‏:‏ الملح شهوة لأنه زيادة على الخبز وما وراء الخبز شهوة‏.‏

هذا هو النهاية‏.‏

فمن لم يقدر على ذلك فينبغي أن لا يغفل عن نفسه ولا ينهمك في الشهوات فكفى بالمرء إسرافاً أن يأكل كل ما يشتهيه ويفعل كل ما يهواه فينبغي أن لا يواظب على أكل اللحم‏.‏

وقال علي كرم الله وجهه من ترك اللحم أربعين يوماً ساء خلقه ومن داوم عليه أربعين يوماً قسا قلبه‏.‏

وقيل أن للمداومة على اللحم ضراوة كضراوة الخمر‏.‏

ومهما كان جائعاً وتاقت نفسه إلى الجماع فلا ينبغي أن يأكل ويجامع فيعطي نفسه شهوتين فتقوى عليه وربما طلبت النفس الأكل لينشط في الجماع‏.‏

ويستحب أن لا ينام على الشبع فيجمع بين غفلتين فيعاد الفتور ويقسو قلبه لذلك ولكن ليصل أو ليجلس فيذكر الله تعالى فإنه أقرب إلى الشكر‏.‏

وفي الحديث ‏"‏ أذيبوا طعامكم بالذكر والصلاة ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم وأقل ذلك أن يصلي أربع ركعات أو يسبح مائة تسبيحة أو يقرأ جزءاً من القرآن عقيب أكله‏.‏

فقد كان أبو سفيان الثوري إذا شبع ليلة أحياها وإذا شبع في يوم واصله بالصلاة والذكر وكان يقول‏:‏ أشبع الزنجي وكده ومرة يقول‏:‏ أشبع الحمار وكده‏.‏

ومهما اشتهى شيئاً من الطعام وطيبات الفواكه فينبغي أن يترك الخبز ويأكلها بدلاً منه لتكون قوتاً ولا تكون تفكها لئلا يجمع للنفس بين عادة وشهوة‏.‏

نظر سهل إلى ابن سالم وفي يده خبز وتمر فقال له‏:‏ ابدأ بالتمر فإن قامت كفايتك به وإلا أخذت من الخبز بعده بقدر حاجتك‏.‏

ومهما وجد طعاماً لطيفاً وغليظاً فليقدم اللطيف فإنه لا يشتهي الغليظ بعده‏.‏

ولو قدم الغليظ لأكل اللطيف أيضاً للطافته‏.‏

وكان بعضهم يقول لأصحابه‏:‏ لا تأكلوا الشهوات فإن أكلتموها فلا تطلبوها فإن طلبتموها فلا تحبوها وطلب بعض أنواع الخبز شهوة‏.‏

قال عبد الله ابن عمر رحمة الله عليهما‏:‏ ما تأتينا من العراق فاكهة

أحب إلينا من الخبز فرأى ذلك الخبز فاكهة‏.‏

وعلى الجملة لا سبيل إلى إهمال النفس في الشهوات المباحات وأتباعها بكل حال فبقدر ما يستوفي العبد من شهوته يخشى أن يقال له يوم القيامة ‏"‏ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ‏"‏ وبقدر ما يجاهد نفسه ويترك شهوته يتمتع في الدار الآخر بشهواته‏.‏

قال بعض أهل البصرة‏:‏ نازعتني نفسي خبز أرز وسمكاً فمنعتها فقويت مطالبتها واشتدت مجاهدتي لها عشرين سنة فلما مات قال بعضهم‏:‏ رأيته في المنام فقلت ماذا فعل الله بك قال‏:‏ لا أحسن أن أصف ما تلقاني به ربي من النعم والكرامات وكان أول شيء استقبلني به خبز أرز وسمكاً‏.‏

وقال‏:‏ كل اليوم شهوتك هنيئاً بغير حساب‏.‏

وقد قال تعالى ‏"‏ كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية ‏"‏ وكانوا قد أسلفوا ترك الشهوات‏.‏

ولذلك قال أبو سليمان‏:‏ ترك شهوة من الشهوات أنفع للقلب من صيام سنة وقيامها‏.‏

وفقنا الله لما يرضيه‏.‏